محمد بن محمد ابو شهبة
291
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
الفصل الثالث : [ أطوار الدعوة ] الجهر بالدّعوة وما صاحبه من إيذاء وإغراء ثم أمر اللّه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يصدع بالدعوة إلى اللّه ، وكان ذلك بعد مضي ثلاث سنين من عمر الدعوة ، فأنزل اللّه تبارك وتعالى قوله : فَاصْدَعْ « 1 » بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ( 94 ) « 2 » . فجهر النبي بالدعوة ، واستعلن بها هو وأصحابه ، فلم يبعد منه قومه ، ولم يردوا عليه ، حتى عاب الهتهم ، وسفّه أحلامهم ، وبين لهم ما هم فيه من الضلالة والجهل والخرافات ، فجاهروه وصحبه بالعداوة ، وعزموا على مخالفته ، عصبية وجهلا ، ولمّا لم يمكنهم أن يقرعوا الحجة بالحجة ، وأفحموا ، لجأوا إلى السباب والشتم ، والإيذاء ، والتعذيب ؛ ومن ثم بدأ دور المحنة والبلاء ، وكان دورا طويلا شاقا أوذي فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على الرغم من حدب عمه أبي طالب عليه ، ومنعه له ، وأوذي المسلمون غاية الإيذاء ، ولا سيما الأعبد والضعفاء . دعوة النبي عشيرته الأقربين ولما نزل قوله تعالى :
--> ( 1 ) اجهر بما تؤمر به وأظهره يقال : صدع بالحجة إذا تكلم جهارا ، من الصديع وهو الفجر ، وقيل : أفرق بين الحق والباطل لأن الصدع في الزجاجة الكسر والإبانة ، وبما تؤمر : أي به من الشرائع ، ومن لطائف التعبير البلاغية الإشارة إلى أن رؤوسهم في حاجة إلى كسر وتصحيحها من جديد ، وقلوبهم في حاجة إلى صدع حتى يدخل فيها الدين الجديد . ( 2 ) الآية 94 من سورة الحجر .