محمد بن محمد ابو شهبة

266

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

أهله قال هذه القولة : « واللّه يا عم ، لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللّه أو أهلك دونه ، ما تركته » ! ! ونحن لا ننكر أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قد حصلت له حالة أسى وحزن عميقين على انقطاع الوحي خشية أن يكون ذلك عدم رضا من اللّه ، وهو الذي كان يهون عليه كل شيء من لأواء الحياة وشدائدها ما دام ذلك في سبيل اللّه ، وفيه رضا اللّه ، وهو القائل في ساعة من ساعات الكرب ، والضيق ، والشدة ، لما ناله ما ناله من سفهاء ثقيف مخاطبا ربه : « إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ! ! » . كان يمكننا أن نقول : إنّ ظن حدوث غضب اللّه وسخطه تجوّز للمخلصين من عباد اللّه أن يهلكوا أنفسهم ويذهبوها ترضية للّه ، وخوفا منه ، ولكنا لا نرى هذا لأن حالة الرواية كما سمعت ، ولأنها تخالف المعروف المشهور من سيرته صلّى اللّه عليه وسلّم . والتعليل الصحيح لكثرة غشيانه صلّى اللّه عليه وسلّم في مدة الفترة رؤوس الجبال وشواهقها ، أنّ الإنسان إذا حصل له خير أو نعمة في مكان ما فإنه يحب هذا المكان ، ويتلمس فيه ما افتقده ، فلما انقطع الوحي صار صلّى اللّه عليه وسلّم يكثر من ارتياد قمم الجبال ، ولا سيما حراء ، رجاء أنه إن لم يجد جبريل في حراء ، فليجده في غيره ، فرآه راوي هذه الزيادة وهو يرتاد الجبال ، فظن أنه يريد هذا ، وقد أخطأ الراوي المجهول في ظنه قطعا . وليس أدل على ضعف هذه الزيادة وتهافتها من أن جبريل كان يقول للنبي كلما أو في بذروة جبل : « يا محمد إنك رسول اللّه حقا » وأنه كرر ذلك مرارا ، ولو صح هذا لكانت مرة واحدة تكفي في تثبيت النبي وصرفه عما حدّثته به نفسه كما زعموا ، وقد نحا إلى ما نحوت بعض كتاب السيرة المحدثين المسلمين « 1 » .

--> ( 1 ) حياة محمد ورسالته ، ص 70 ، 71 .