محمد بن محمد ابو شهبة

228

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

إليهم ، وكان ظهر الكعبة لبني جمح ، وسهم ، وكان جانب الحجر لبني عبد الدار ، ولبني أسد بن عبد العزّى ، ولبني عدي . وقد شارك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أعمامه في البناء ، ونقل الحجارة . روى الشيخان في صحيحيهما عن جابر قال : « لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والعباس ينقلان الحجارة ، فقال العباس للنبي : اجعل إزارك على رقبتك يقك الحجارة ، ففعل ، فخرّ إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ، ثم أفاق فقال : « إزاري إزاري » فشدّ عليه إزاره فما رؤي بعد ذلك عريانا » « 1 » . وكان الذي يلي البناء رجل رومي يسمّى « باقوم » يقال : إنه كان في سفينة محملة بالخشب قاصدة اليمن لترميم كنيسة « القليس » ، ولما كانت السفينة قبالة مكة هبّ عليها إعصار فدمرها ، فقصدت قريش إلى ساحل البحر ، فاشتروا بقايا السفينة وما كان فيها ، واستصحبوا معهم باقوم ، وهكذا أراد اللّه سبحانه أن تستعمل الأخشاب التي أرسلت للكنيسة في بناء الكعبة بيت اللّه الحرام ! ! ولما وصلوا في البناء إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا فيمن يضعه ؟ فكل قبيلة تريد أن تحظى بهذا الشرف حتى كادت الحرب تقع بينهم ، وقرّب بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما ، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت ، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة ، فسمّوا ( لعقة الدم ) ، واستمروا على ذلك أربع ليال أو خمسا . عرض لحل المشكلة ثم ألهم اللّه سبحانه أحد عقلائهم وهو أبو أمية بن المغيرة المخزومي ، والد السيدة أم سلمة ، وكان عائذ أسن رجل في قريش ، فقال : يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد « 2 » ، فرضوا وقبلوا ، فأشخصوا أبصارهم إلى باب المسجد ، واشرأبت الأعناق إلى من يا ترى

--> ( 1 ) يعني كاشفا عورته غير المغلظة كالفخذ مثلا . ( 2 ) هو باب بني شيبة وهو يعرف اليوم بباب السلام .