محمد بن محمد ابو شهبة

229

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

يكون هذا الداخل ، فإذا به الأمين محمد أرسلته العناية الإلهية ليخلص العرب من هذا الشر المستطير ، فلما رأوه قالوا : « هذا الأمين رضيناه ، هذا محمد ! ! » . العقل الكبير فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر ، فكّر وقدّر ، ولم يلبث أن تفتّق العقل الكبير - عقل النبي - عن هذا الحل البارع حقا ، فبسط رداءه ، ثم أخذ الحجر ووضعه عليه ، ثم قال : « لتأخذ كل قبيلة بطرف » ثم أمرهم برفعه ، فرفعوه جميعا حتى وصلوا إلى مستوى وضعه ، فأخذه بيده المباركة ، ووضعه موضعه ، وبنى عليه ، وبهذا وقى اللّه قريشا شر حرب ربما أفنتهم ، وقد ازداد النبي بهذا منزلة فوق منزلته ، وقدرا إلى قدر ، وأصبح أحدوثة العرب في كل ناد ومجلس . ضيق النفقة بقريش وكانت النفقة الطيبة قد ضاقت بقريش عن إتمام البيت على قواعد إبراهيم ، فاضطروا إلى أن اقتطعوا منه قطعة من جهته الشمالية ، وبنوا على هذا الجزء الذي احتجزوه جدارا قصيرا للإعلام أنه من البيت وهو ما يعرف ( بالحجر ) « 1 » . وفي صحيح البخاري أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال لعائشة : « لولا أنّ قومك حديثو عهد بالكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم » . وكان الكعبة ارتفاعها تسعة أذرع على عهد إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - وكان لها بابان : باب شرقي وباب غربي ليدخل الداخل من باب ، ويخرج من الاخر ، فلما بنتها قريش زادوا في ارتفاعها تسعة أذرع أخرى ، واقتصروا على باب واحد ، ورفعوا بابها عن الأرض ، فصار لا يصعد إليها إلا على درج أو سلّم ليدخلوا من يشاؤون ، ويمنعوا من يشاؤون ، ونقصوا من طولها مقدار الحجر .

--> ( 1 ) وهو من البيت ولذلك لا يصح الطواف إلا من وراء الجدار القصير ، والحجر بكسر الحاء وسكون الجيم ، سمي بذلك لأنه حجر ، أي اقتطع من الكعبة .