محمد بن محمد ابو شهبة
22
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
السنن والمسانيد . ولا يطعن في كونها معجزات أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يتحدّ الناس بها كما تحدّاهم بالقران الكريم ؛ لأن فريقا من العلماء لا يشترط في المعجزة أن تكون مقترنة بالتحدي ، ثم إن بعضها وإن لم يقع التحدّي به صراحة ، لكنه في قوة المتحدّى به ، ففي الصحيحين وغيرهما عن عدة من الصحابة أن المشركين من أهل مكة « سألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يريهم اية ، فأراهم القمر شقّين حتى رأوا حراء بينهما » . ولا أدري ما الداعي إلى إنكار المعجزات الحسية ؟ ! والشيء إذا تواردت عليه الأدلة والبراهين ازداد قوة وثبوتا ، وفي كتب الأحاديث من الصحاح والسنن والمسانيد الكثير من المعجزات الحسية ، والإمامان البخاري ومسلم وهما من هما ، دقة وتحريا عن الرجال ، وتشدّدا في الحكم بالتصحيح - قد خرّجا في صحيحيهما قطعة كبيرة منها ، وعقد الإمام البخاري لذلك بابا كبيرا « 1 » ، ومن أراد زيادة في بحث « المعجزات الحسية » فليرجع إلى الفصل الذي كتبته في الرسالة التي ألفتها في « الإسراء والمعراج » « 2 » . والأقدمون من المؤلفين في السير والتاريخ ذكروا الكثير من المعجزات الحسية ، وإن اختلفوا في ذكرها قلّة وكثرة ، وابن إسحاق - شيخ كتاب السّير وعمدتهم - ذكر منها جملة مع قرب عصره من عصر النبوة ، وقد لقي الكثيرين ممن أخذوا العلم والحديث عن الصحابة العدول ، وروى عنهم . وقد ابتدع هذه البدعة السيئة - وهي الاكتفاء بالقران - المستشرقون ، ثم سرت عدوى هذه البدعة إلى كتابنا المعاصرين كالدكتور محمد حسين هيكل رحمه اللّه - في كتابه « حياة محمد » ، وكذلك صنع المستشرق الفرنسي الذي أسلم ( اتيين دينيه ) وزميله السيد سليمان إبراهيم الجزائري ، في كتابيهما « حياة محمد » ، وقلما تجد أحدا من المؤلفين المتأخرين في « السيرة النبوية » يذكر شيئا من المعجزات الحسية .
--> ( 1 ) صحيح البخاري - باب علامات النبوة . ( 2 ) ص 20 - 27 .