محمد بن محمد ابو شهبة

118

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

وهذا إسحاق بلا ريب ، لأنه من امرأته ، وهي المبشرة به ، وأما إسماعيل فمن السرية « 1 » - يعني هاجر . وأيضا فلأنهما بشّرا به على الكبر ، واليأس من الولد ، وهذا بخلاف إسماعيل فإنه ولد قبل ذلك . . . وأيضا فإن سارة امرأة الخليل صلّى اللّه عليه وسلّم غارت من هاجر وابنها أشد الغيرة ، فإنها كانت جارية ، فلما ولدت إسماعيل وأحبه أبوه اشتدت غيرة سارة ؛ فأمر اللّه سبحانه أن يبعد عنها هاجر وابنها ، ويسكنها في أرض مكة ؛ لتبرد عن سارة حرارة الغيرة ، وهذا من رحمة اللّه تعالى بها ورأفته وإبعاده الضرر عنها ، وجبره لها ، فكيف يأمر بعد هذه بذبح ابنها دون ابن الجارية ؟ ! بل حكمته البالغة اقتضت أن يأمر بذبح ولد السرية ، فحينئذ يرق قلب السيدة عليها وعلى ولدها وتتبدل قسوة الغيرة رحمة ، ويظهر لها بركة الجارية وولدها ، وأن اللّه لا يضيع بيتا ، هذه وابنها منهم ، وليري عباده جبره بعد الكسر ، ولطفه بعد الشدة ، وأن عاقبة صبر هاجر وابنها على البعد ، والواحدة ، والغربة والتسليم إلى ذبح الولد - الت إلى ما الت إليه من جعل اثارهما ، ومواطىء أقدامهما مناسك لعبادة المؤمنين ، ومتعبدا لهم إلى يوم القيامة ، وهذه سنته فيمن يريد رفعه من خلقه : أن يمنّ عليه بعد استضعافه ، وذلّه ، وانكساره ، قال تعالى : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ . ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ » « 2 » . وكذلك دلّت الأحاديث والآثار عن الصحابة والتابعين ، روى الحاكم في

--> ( 1 ) قال في المصباح المنير : « والسرية : فعلية ، قيل : مأخوذة من السّر - بالكسر - وقيل من السر - بالضم - بمعنى السرور ، لأن مالكها يسر بها ، فهو على القياس » وأما على الأول فضم السين من تغيير النسب . ( 2 ) زاد المعاد ج 1 ، ص 28 - 30 .