محمد بن محمد ابو شهبة
119
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
المستدرك ، وابن جرير في تفسيره وغيرهما عن عبد اللّه بن سعيد الصنابحي قال : « حضرنا مجلس معاوية ، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق ، أيهما الذبيح ؟ فقال بعضهم : إسماعيل ، وقال البعض : إسحاق ، فقال معاوية : على الخبير سقطتم ، كنا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأتاه أعرابي ، فقال : يا رسول اللّه خلفت الكلأ يابسا ، والمال عابسا « 1 » ، هلك العيال ، وضاع المال ، فعد علي مما أفاء اللّه تعالى عليك يا ابن الذبيحين ، فتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم ينكر عليه ، فقال القوم : من الذبيحان يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر للّه إن سهل أمرها أن ينحر بعض بنيه ، فلما فرغ أسهم بينهم فكانوا عشرة ، فخرج السهم على عبد اللّه ، فأراد أن ينحره ، فمنعه أخواله بنو مخزوم ، وقالوا : أرض ربك ، وافد ابنك . ففداه بمائة ناقة ، قال معاوية : هذا واحد ، والاخر إسماعيل » « 2 » . وشهد شاهد من أهلها وروى ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي : أن عمر بن عبد العزيز أرسل إلى رجل - كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه ، وكان من علمائهم - فسأله : « أي ابني إبراهيم أمر بذبحه ؟ فقال : إسماعيل - واللّه يا أمير المؤمنين - وإن يهود لتعلم بذلك ، ولكنهم يحسدونكم معشر العرب » وهذا هو الحق الذي لا ينبغي أن يكون غيره . وأما الحديث المشهور على الألسنة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أنا ابن الذبيحين » فقد قال الإمام العراقي فيه : إنه لم يقف عليه . ولا يعرف بهذا اللفظ ، وعلى هذا فلا يحتج به ، ولا تجوز روايته ، أو ذكره إلا مقترنا ببيان حاله . وقد وردت روايات أخرى موقوفة ومرفوعة في أن الذبيح إسحاق ، إلا أن المرفوع منها إلى النبي - والحق يقال - إما موضوع ، وإما ضعيف ، فلا تثبت به
--> ( 1 ) المال : المراد به الحيوان أي عابسا من شدة الجوع والعطش . ( 2 ) هذا الحديث صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقيل : إنه حسن ، وقد ضعفه بعض العلماء ، وهو في حكم المرفوع لتقرير النبي لقول الأعرابي : يا ابن الذبيحين .