العلامة المجلسي

155

بحار الأنوار

ونعمة كانوا فيها فاكهين * كذلك وأورثناها قوما آخرين " ثم إن يوشع استخلف على قوم فرعون رجلا منهم وعاد إلى موسى بمن معه سالمين غانمين . ( 1 ) تذنيب : قال السيد المرتضى قدس سره : فإن قيل : كيف جاز لموسى أن يأمر السحرة بإلقاء الحبال والعصي وذلك كفر وسحر وتلبيس وتمويه ، والامر بمثله لا يحسن ؟ قلنا : لابد من أن يكون في أمره عليه السلام بذلك شرط ، فكأنه قال : ألقوا ما أنتم ملقون إن كنتم محقين ، وكان فيما تفعلونه حجة ، وحذف الشرط لدلالة الكلام عليه واقتضاء الحال له ، ويمكن أن يكون على سبيل التحدي بأن يكون دعاهم إلى الالقاء على وجه يساويه فيه ، ولا يخيلون فيما ألقوه السعي والتصرف من غير أن يكون له حقيقة لان ذلك غير مساو لما ظهر على يده من انقلاب الجماد حية على الحقيقة دون التخييل ، وإذا كان ذلك ليس في مقدورهم فإنما تحداهم به ليظهر حجته . ( 2 ) أقول : يمكن أن يقال : الامر بالسحر إذا كان مشتملا على بيان بطلانه وظهور المعجزة وعدم مبالاته بما صنعوا مع أن القوم لا ينتهون عنه بعدم أمره بل بنهيه أيضا ليس بقبيح ، ( 3 ) فيكن أن يكون مخصصا لعمومات النهي عن الامر بالسحر إن كانت ولو كان لمحض دليل العقل ، فلا يحكم في خصوص تلك الصورة بشئ من القبح ، أو يقال : إنه لم يكن المراد به الامر حقيقة بل كان الغرض عدم خوفه ومبالاته بما سحروا به ، فيمكن إرجاعه إلى أمر التسوية ، وقيل : إنه لم يأمر بالسحر بل بالالقاء وهو أعم منه . ثم قال السيد : فإن قيل : فمن أي شئ خاف موسى عليه السلام ؟ أوليس خوفه يقتضي شكه في صحة ما أتى به ؟ قلنا : إنما رأى من قوة التلبيس والتخييل ما أشفق عنده من وقوع الشبهة على من لم ينعم النظر ( 4 ) فآمنه الله تعالى من ذلك ، وبين له أن حجته ستتضح للقوم بقوله تعالى : " لا تخف إنك أنت الاعلى " . ( 5 )

--> ( 1 ) العرائس : 123 - 126 . وفيه : غانمين شاكرين م ( 2 ) تنزيه الأنبياء : 70 - 71 . م ( 3 ) بل ربما يمكن أن يقال بحسن ذلك ، إذ فيه إبطال الباطل وإرشاد الجاهل إلى بطلان عملهم وأن عمله ليس من سنخ عملهم وسحرهم ، بل هو من عند الله ، وعمله من صنع الله . ( 4 ) أي لم يحقق النظر فيما صنعوا . ( 5 ) تنزيه الأنبياء : 71 . م