محمود شيت خطاب

439

الرسول القائد

مسيطرا على أعصابه سيطرة أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة في أشد المواقف حرجا وفي أحلك الظروف . لم يكن سهلا السيطرة على الأعصاب عند تطويق المشركين له ولقسم من أصحابه في ( أحد ) من كل جانب ، ومع ذلك سيطر على أعصابه وقاد سفينة المسلمين إلى ساحل الأمان . ولم يكن سهلا السيطرة على الأعصاب يوم ( الأحزاب ) خاصة بعد غدر يهود ؛ ومع ذلك سيطر على أعصابه فصدّ ( الأحزاب ) وقضى على يهود . ولم يكن سهلا السيطرة على الأعصاب يوم ( حنين ) ، عند انهزام المسلمين ، ولكنه ثبت مع عشرة فقط من أصحابه تجاه التيار الجارف من مطاردة المشركين ، وسيطر على أعصابه حتى هزم أعداءه ، فعاد أصحابه ليروا أسرى المشركين مكبلين بالأصفاد . تلك أمثلة من سيطرته على أعصابه في وقت الشدة ، أما في وقت الرخاء ، فقد كانت سيطرته أروع بكثير مما هي عليه في وقت الشدة . ومن أمثلة ذلك يوم فتح مكة ، فقد رآه المسلمون يومذاك وقد أحنى رأسه على رحله وبدا عليه التواضع الجم ، حتى كادت لحيته تمسّ واسطة راحلته ؛ وكلما استشعر بأهمية نصره ازداد تواضعا وازداد على راحلته خشوعا . إن قيمة سيطرة الرسول صلّى اللّه عليه وسلم على أعصابه في مثل هذا الموقف الذي يعدّ أكبر نصر للمسلمين ، تتضاعف إذا قارناها بمواقف العظمة والجبروت التي أظهرها غيره من القادة عند انتصارهم ، فذهب بهم الطيش مذاهب أدت إلى كوارث من نتائجها هلاك ودمار كثير من الناس والأموال . . . لقد بقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعد وصوله إلى أعلى مراتب السيطرة والسلطان بسيطا في مأكله ومشربه وملبسه وفي حياته كلها كما كان في أول أيامه يوم كان