عماد الدين خليل

91

دراسة في السيرة

[ 4 ] في هذه الفترة ، جاءت حادثة ( الإسراء والمعراج ) « 1 » تثبيتا للرسول صلى اللّه عليه وسلم على طريق المقاومة الطويل ، وتكريما له في أعقاب سنين طويلة من العمل والصمود والكدح ، وتتويجا لهذه السنين الصعبة ، رفعه إلى قلب السماوات ، وأطلعه على جوانب الإعجاز الإلهي الباهر في الكون الكبير وهي امتحان - في الوقت نفسه - لقدرات أصحابه على تصوّر المدى الذي ينافحون مع رسولهم صلى اللّه عليه وسلم من أجل إخراج ( الإنسان ) إليه ، وهو مدى رحيب يتجاوز أبعاد الملموس والمسموع والمنظور ، وينأى عن الأحجام المباشرة للأشياء ، ويمتد بعيدا صوب الآفاق التي بإيمان الإنسان بها وحركته صوبها يغدو إنسانا وإلّا فهو كالأنعام ، وأضل من الأنعام التي لا تعرف غير أن تأكل وتشرب وتنام ، ولا ترى إلّا الأشياء المرئية التي تنعكس إشعاعاتها على قرنية عينيها ، ولا تسمع إلا الأصوات التي تلامس طبلات أذنيها ، وأمّا ما وراء ذلك فهو العدم الذي لا تحس به ولا تعرف عنه شيئا ! ! ورواية الإسراء والمعراج ترد في صحيح البخاري بهذا الشكل : « عن مالك ابن صعصعة ( رضي اللّه عنه ) أن نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال : بينما أنا في الحطيم - وربما قال في الحجر - مضطجعا إذ أتاني آت فقد قال ، وسمعته يقول ، فشقّ ما بين هذه إلى هذه . . . فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار ، أبيض ، قال الراوي وهو البراق ، يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه ، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل : من هذا ؟ قال : جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد أرسل إليه ؟ قال : نعم ، قيل : مرحبا به فنعم المجيء جاء ، ففتح ، فلما خلصت فإذا فيها آدم فقال : هذا أبوك آدم فسلّم عليه ، فسلمت عليه فردّ السلام ثم قال : مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح . ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية ، فاستفتح . . . » ومن ثم تستعرض

--> ( 1 ) قبل الهجرة بعام وبعض عام ، وكان عمر الرسول صلى اللّه عليه وسلم آنذاك - كما يروي المسعودي - إحدى وخمسين سنة وثمانية أشهر وعشرين يوما ( مروج 2 / 283 ) . ولا بد أن نشير إلى أن هنالك خلافا في زمن وقوع الحادثة حيث يذهب بعضهم إلى أنها وقعت قبيل منتصف العهد المكي : ولم يكن المهاجرون إلى الحبشة قد هاجروا إليها بعد ( انظر دروزة : سيرة الرسول 1 / 222 ) ، ونحن نرجح الروايات التي تجعلها في أواخر العصر المكي انسجاما مع مغزاها . . .