عماد الدين خليل
87
دراسة في السيرة
العادات والتقاليد القديمة . وبينما كان بعض المعارضين ذوي نزعة فردية قوية ، فقد كان أكثرهم محافظة يعترف ببعض الولاء للجماعة ، فكانوا يرون إذن في نزعة الإسلام لإحداث انقسامات حادة في العائلة دليلا آخر على أن التخلي عن الطريق الذي سلكه الأجداد يؤدي إلى نتائج وخيمة ، وربما بدا لهم ذلك جديرا بتهديم المجتمع بأكمله ، وكان هذا ما يحدث فعلا . . . وما يلبث ( وات ) أن يخلص إلى القول بأن أسباب معارضة الإسلام - إذا وضعنا جانبا كل مصلحة شخصية - كانت الخوف من نتائجه السياسية والاقتصادية والنزعة المحافظة الصرفة ، وكانت المشكلة التي جابهها محمد لها جوانب اجتماعية واقتصادية وسياسية وفكرية ، غير أن رسالته كانت في الأساس دينية بحيث أنها حاولت علاج الأسباب الدينية الكامنة لهذه المشكلة ولكنها انتهت لمعالجة الجوانب الآخرى ولهذا اتخذت المعارضة أشكالا مختلفة « 1 » . إن شعار ( لا إله إلا اللّه ) الذي أمر محمد صلى اللّه عليه وسلم برفعه في وجه الجاهلية ، جاء انقلابا شاملا على كل المستويات الدينية والاجتماعية والفكرية والنفسية والأخلاقية والسياسية والسلوكية ، إذ هو إشعار واضح بضرورة ردّ الأمر كله إلى اللّه ( الحاكم ) و ( المشرع ) وتجريد الإنسان فردا وجماعة ، من الخضوع لمقاييسه الجزئية القاصرة ، واتباع ( الهوى ) و ( الظن ) في كل صغيرة وكبيرة . ولقد رأينا خلال عرضنا للطور العلني للدعوة أن جلّ كلمات القرشيين ومرتكزات حوارهم مع أبي طالب ، أو مع محمد صلى اللّه عليه وسلم نفسه ، من أجل إقناعه بالعدول عن دعوته ، ما كانت لتنصب على الدفاع عن مصالحهم المادية ، بقدر تشبثها بمعتقداتهم وقيمهم ، كما نلمح من خلالها إدراكهم الكامل لأبعاد عبارة ( لا إله إلا اللّه ) وخطورتها الشاملة إزاء وجودهم الجاهلي كله . ويمكن أن نذكر هنا - على سبيل المثال - رواية ابن سعد التي تقول إن وفدا من زعماء قريش قدموا إلى أبي طالب ليلتمسوا إليه أن يكف ابن أخيه ، فاستدعاه وقال له « يا ابن أخي ، هؤلاء عمومتك وأشراف قومك وقد أرادوا أن ينصفوك . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قولوا أسمع ! ! قالوا : تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك . قال أبو طالب : قد أنصفك القوم فاقبل منهم . فقال رسول اللّه : أرأيتم إن أعطيتكم هذه ، هل أنتم معطيّ كلمة
--> ( 1 ) محمد في مكة ص 214 ، 215 - 216 .