عماد الدين خليل
88
دراسة في السيرة
إن أنتم تكلمتم بها ملكتم العرب ، ودانت لكم بها العجم ؟ فقال أبو جهل : إن هذه كلمة مربحة ، نعم وأبيك ، لنقولنها وعشر أمثالها ! ! فقال الرسول : قولوا ( لا إله إلا اللّه ) ! ! فاشمأزوا ونفروا منها وغضبوا وقاموا وهم يقولون وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ « 1 » « 2 » . فليست الحركة الإسلامية إذن حركة طبقة ضد طبقة ، فقد انتمى إليها أناس من شتى الطبقات . وسواء كانت هذه السمة ( الطبقية ) ناتجة عن تحرك الفقراء ضد الأغنياء ، كما يرى بعض الباحثين ، أو من الأغنياء لكبت ما تحسّسوا منه رائحة ثورة شاملة سيقوم بها الفقراء ضد مصالحهم ومراكزهم ، كما ارتأى باحثون آخرون « 3 » ، فإن هذه الافتراضات ، التي ينقض بعضها بعضا ، تعود لكي تنتقض نهائيا بمجرد عرضها على ( الواقعة التاريخية ) نفسها . . إذا ما أردنا البحث الموضوعي الجاد ، وإلا فإن التخمين والاستنتاج والإسقاط المعاصر على التاريخ ، دون رؤية وارتكاز على أبعاد الواقعة نفسها يقودنا ولا ريب إلى ( إسرائيليات ) من نوع جديد ، تتدثر بدثار العلم والموضوعية وما هي منهما بشيء ! ! [ 3 ] بعد أن تم بناء القاعدة ( الصلبة ) للدعوة متمثلة بأولئك الرواد الأوائل من المسلمين الذين انتموا للإسلام عبر سنيه الصعبة وغربته ، والذين علمتهم التجارب المقدرة على الصمود بوجه الضغوط مهما غلا الثمن ، والذين أنضجتهم حشود الآيات القرآنية التي كانت تتنزل ( على مكث ) حينا بعد حين . . . أصدر اللّه أمره إلى رسوله الكريم أن يتجاوز المرحلة السريّة للدعوة صوب الجهر والإعلان . . . وهذا أمر لا بدّ منه لدعوة عالمية شاملة جاءت لكي تثبت وجودها المنظور في الأرض العربية أولا ، وفي العالم المحيط ثانيا . . كل ذلك في فترة لا تعدو ما تبقى للرسول صلى اللّه عليه وسلم من سني عمره المحدود .
--> ( 1 ) سورة ص : الآية 6 . ( 2 ) الطبقات 1 / 1 / 135 وانظر المصدر نفسه 1 / 1 / 137 والبلاذري : أنساب 1 / 126 ، 128 ، 133 ، 141 وابن الأثير : الكامل 2 / 65 . ( 3 ) انظر عبد العزيز الدوري ورفاقه : تفسير التاريخ ص 15 - 16 .