عماد الدين خليل

75

دراسة في السيرة

[ 5 ] ما لبث الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن فجع بأعز أقربائه إليه : زوجته البرّة خديجة وعمه أبي طالب ففقد بذلك سنديه النفسي والاجتماعي ، وحزن لفقدهما حزنا عميقا ، حتى أن ذلك العام - الذي سبق الهجرة بثلاث سنين - سمي بعام الحزن . وانتهزت قريش الفرصة فألحقت بالرسول صلى اللّه عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب . وقد اعترضه - مرة - أحد سفهاء قريش في الطريق ، ونثر على رأسه ترابا ، فدخل الرسول بيته والتراب على رأسه فقامت إحدى بناته لتنفضه عنه وهي تبكي ورسول اللّه يقول لها : لا تبكي يا بنية فإن اللّه مانع أباك « 1 » ! ! ونظرا إلى أن الحجة الرئيسية للمقاطعة - التي لم يمض عليها كبير وقت - هي حماية ( بني هاشم ) للمسلمين ، وإنها كان لها تأثير سئ في أعمال بني هاشم ، فالظاهر أنهم أدركوا الأضرار التي تنجم عن استمرار حمايتهم للرسول صلى اللّه عليه وسلم . ويبدو أنهم بعد موت أبي طالب بدؤوا يتخلون عن تلك الحماية . ولعل أبا طالب هو العامل الأكبر في استنهاض همم بني هاشم لمساندة الرسول وحمايتهم له ، فلما مات خففت هاشم من تأييدها وربما أدركت - بعد المقاطعة - ما يصيبها من أضرار مادية ومعنوية إذا استمرت في حمايته ، لذا أخذت تتخلى عن ذلك ، ويتجلى هذا واضحا في أعقاب رجوع الرسول صلى اللّه عليه وسلم من الطائف « 2 » . أدرك الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن القيادة الوثنية في مكة مصرّة على الوقوف بوجه دعوته ماضية في إلحاق أذاها به ، واضطهاد أتباعه وفتنتهم عن دينهم ، فرأى أن يغادرها إلى مكان آخر ينشر فيه دعوة الإسلام ويطلب من أهله النصر والمنعة ، فوقع اختياره على الطائف حيث تقطن ثقيف كبرى القبائل العربية بعد قريش . فغادر مكة في شوال من السنة العاشرة للبعثة ، يصحبه زيد بن حارثة . ولما انتهى إلى هناك عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادتها وأشرافها ، فجلس إليهم ودعاهم إلى اللّه ، وعرض عليهم المهمة التي جاء من أجلها وهي أن ينصروه على الإسلام ويمنعوه من قومه ، فلم يلتفتوا إليه وعلقوا على دعوته ساخرين ، فقال أحدهم :

--> ( 1 ) ابن هشام : ص 99 . الطبري : تاريخ 2 / 343 - 344 . ابن سعد 1 / 1 / 141 . اليعقوبي : تاريخ 2 / 28 - 29 . ابن الأثير : الكامل 1 / 90 - 91 . وانظر البلاذري : أنساب 1 / 236 - 237 . ( 2 ) العلي : محاضرات 1 / 375 - 376 .