عماد الدين خليل

76

دراسة في السيرة

إنني أمزق ثياب الكعبة إن كان اللّه أرسلك ! وقال الآخر : أما وجد اللّه أحدا يرسله غيرك ؟ وقال الثالث : واللّه لا أكلمك أبدا ، لئن كنت رسولا من اللّه كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أردّ عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على اللّه ما ينبغي لي أن أكلمك ! ! فغادرهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم بعد أن طلب منهم أن يكتموا ما جرى بينه وبينهم ، إذ كره أن يبلغ قومه ذلك فيجرئهم عليه . لكن زعماء ثقيف لم يستجيبوا لطلبه وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبّونه ويصيحون به ، ويرمونه بالحجارة ، فلم يكن يرفع قدما ويضع أخرى إلا على الحجارة ، حتى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة ، وكانا هناك ، فتفرق عنه سفهاء الطائف وقدماه تنزفان دما ، فعمد إلى ظل كرمة ونادى ربه : « اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس . . يا أرحم الراحمين ، أنت ربّ المستضعفين وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، من أن تنزل بي غضبك ، أو يحل عليّ سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك » ! ! فلما رآه ابنا ربيعة ، وشاهدا ما لقي ، تحركت له رحمهما ، فطلبا من غلام نصرانيّ لهما يدعى ( عدّاس ) أن يحمل إليه طبقا من عنب . فلما أتى به الغلام ووضعه بين يديه ، مدّ الرسول صلى اللّه عليه وسلم يده قائلا : باسم اللّه ، ثم بدأ يأكل العنب ، فعجب الغلام لسماعه عبارة لم يألف سماعها في أرض وثنية ، فقال للرسول صلى اللّه عليه وسلم واللّه إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد . فسأله الرسول : ومن أي البلاد أنت ، وما دينك ؟ أجاب : نصرانيّ ، من أهل نينوى . فسأله الرسول : من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى ؟ أجاب الغلام دهشا : وما يدريك ما يونس بن متّى ؟ قال الرسول : ذاك أخي ، كان نبيا وأنا نبيّ . فأكب عدّاس على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوسعه لثما وتقبيلا . . وما أن غادر الرسول البستان حتى حذره سيداه : ويحك يا عداس ، لا يصرفنك عن دينك ، فإن دينك خير من دينه « 1 » ! ! عندما قفل الرسول صلى اللّه عليه وسلم عائدا إلى مكة كانت الأمور هناك قد بلغت حدا

--> ( 1 ) ابن هشام ص 101 - 103 . الطبري : تاريخ 2 / 344 - 346 . ابن سعد 1 / 1 / 42 البلاذري : أنساب 1 / 227 . اليعقوبي : تاريخ 2 / 29 - 30 . المقدسي : 4 / 55 ابن الأثير : الكامل 2 / 91 - 93 . ابن كثير 26 / 135 - 137 .