عماد الدين خليل
74
دراسة في السيرة
منا قوم « 1 » » . ولم يكن ما يجيئهم سرا ليسكت نداء الجوع الذي لا يرحم ، حتى إن أحدهم اضطر يوما أن يطحن قطعة من جلد بعير ويمزجها بالماء ويلتهمها التهاما . . وبدأ بعض رجالات قريش وشبابها يتذمرون للظلم الصارخ الذي نزل بحماة الرسول من بني هاشم وبني المطلب ، فسعوا إلى وقف القطيعة ، وتمزيق الصحيفة الغادرة ، وإعادة الأمور إلى مجاريها . وكان على رأس هؤلاء هشام بن عمرو ، الذي تصله ببني هاشم صلة من قرابة ، وكان ذا شرف في قومه ، وكان قد بذل جهده أيام الحصار في إيصال الطعام سرّا إلى الشعب . . فلقد اتصل بزهير بن أبي أمية ، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب ، وقال له : يا زهير ، أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وتنكح النساء ، وأخوالك حيث قد علمت لا يبتاع منهم ، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم ؟ أما أني لأحلف باللّه أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك أبدا . فأجابه زهير : فماذا أصنع ؟ إنما أنا رجل واحد ، واللّه إن لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتى أنقضها . قال هشام : قد وجدت رجلا . قال : فمن هو ؟ أجابه هشام : أنا . قال زهير : أبغنا رجلا ثالثا . وتمكن هشام من إقناع ثلاثة رجال آخرين هم المطعم بن عدي وأبو البختري بن هشام وزمعة بن الأسود بن المطلب ، بضرورة تمزيق الصحيفة وإنهاء المقاطعة . واتعد الرجال الخمسة على اللقاء ليلا بأعلى مكة وهناك أجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام بتمزيق الصحيفة . وقال زهير : أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم . وفي صباح اليوم التالي أقبل زهير على الناس وقال : يا أهل مكة ، أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم ؟ واللّه لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة . فرد عليه أبو جهل : كذبت ، واللّه لا تشق ! ! قال زمعة بن الأسود : أنت واللّه أكذب ، ما رضينا كتابتها حيث كتبت . وسرعان ما أيده رفاقه الثلاثة . فقال أبو جهل : هذا أمر قضي بليل ! ! وما لبث المطعم أن قام إلى الصحيفة فمزقها « 2 » . ثم لبس ورفاقه السلاح واتجهوا إلى الشعب وأمروا بني هاشم وبني المطلب بالخروج إلى مساكنهم ففعلوا . وعندما رأت قريش ذلك أسقط في أيديها وعرفت أنهم لن يسلموهم « 3 » .
--> ( 1 ) البلاذري : أنساب 1 / 235 - 236 . ( 2 ) ابن هشام ص 89 - 91 . الطبري : 2 / 341 - 343 . البلاذري : أنساب 1 / 235 - 236 . ابن الأثير : الكامل 2 / 87 - 90 . ( 3 ) ابن سعد : 1 / 1 / 141 . البلاذري : أنساب 1 / 236 .