عماد الدين خليل
317
دراسة في السيرة
ابن أبيّ » « 1 » ، ويذكر الواقدي بأن الناس راحوا يتحدثون بمقالة ابن أبي وما كان منه ، فما هو إلا أن أخذهم السهر والتعب بالمسير « فما نزلوا حتى ما يسمع لقول ابن أبي في أفواههم ذكر » « 2 » . وعندما بلغ ابن عبد اللّه بن أبيّ ما كان من أبيه ، قال للرسول صلى اللّه عليه وسلم : يا رسول اللّه إنه بلغني إنك تريد قتل عبد اللّه بن أبيّ فيما بلغك عنه ، فإن كنت لا بد فاعلا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه ، فو اللّه لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبرّ بوالده مني ، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله ، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس ، فأقتله ، فأقتل رجلا مؤمنا بكافر فأدخل النار . فأجابه الرسول صلى اللّه عليه وسلم : بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا ! ! « 3 » . جعل ابن أبي - بعد موقف الرسول المتسامح ذاك - إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه ويعنّفونه ، وحينئذاك قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : كيف ترى يا عمر ؟ أما واللّه لو قتلته يوم قلت لي اقتله ، لأرعدت له أنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته ! أجاب عمر : قد واللّه علمت ، لأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أعظم بركة من أمري « 4 » ! . أما السهم الآخر الذي وجهته حركة النفاق إلى قلب الجماعة الإسلامية ، متمثلا بزوجة نبيهم صلى اللّه عليه وسلم وابنة صدّيقهم أبي بكر رضي اللّه عنه . فلنستمع إلى عائشة نفسها وهي تحدثنا : كيف انطلق ، وأين استقر ، ومن الذي أطلقه ، وكيف تم انتزاعه بعد ما نزف من دماء ! ! قالت عائشة : « كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه ، فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج سهمي فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب ، فأنا أحمل في هودج وأنزل فيه . فسرنا حتى إذا فرغ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة ، آذن ليلة بالرحيل ، فقمت حين آذنوا فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست
--> ( 1 ) ابن هشام ص 239 ، الطبري 2 / 606 - 607 ، الواقدي : 2 / 422 . ( 2 ) مغازي رسول اللّه : 2 / 422 . ( 3 ) ابن هشام ص 239 - 240 ، الطبري : تاريخ 2 / 608 ، الواقدي : 2 / 420 - 421 . ( 4 ) ابن هشام ص 240 ، الطبري : 2 / 608 - 609 .