عماد الدين خليل
318
دراسة في السيرة
عقدي فحبسني ابتغاؤه . فأقبل الذين يرحّلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي أركب وهم يحسبون إني فيه ، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن ولم يغشهنّ اللحم ، وإنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثقل الهودج . . وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا . فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت منزلهم وليس فيه أحد ، فأممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي ، فبينا أنا جالسة غلبتني عيناي ، فنمت . وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان نائم فأتاني ، وكان يراني قبل الحجاب ، فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرّسين في نحر الظهيرة فهلك من هلك ! ! وكان الذي تولى الإفك عبد اللّه بن أبي بن أبي سلول ، فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الأفك ، ويريا بني في وجعي إني لا أرى من النبي صلى اللّه عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض ، إنما يدخل فيسلم فيقول كيف تيكم ؟ أشعر بشيء من ذلك ، حتى نقهت ، فخرجت أنا وأم مسطح ( في حاجة لنا ) فعثرت في مرطها فقالت : تعس مسطح ! ! فقلت لها : بئسما قلت ، أتسبين رجلا شهد بدرا ؟ فقالت : ألم تسمعي ما قالوا ؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا على مرضي . فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسلّم فقال : كيف تيكم ؟ فقلت : إئذن لي إلى أبوي ، وأنا حينئذ أريد أن استيقن الخبر من قبلهما ، فأذن لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأتيت أبوي فقلت لأمي ما يتحدث الناس به ، فقالت : يا بنيّة هوّني على نفسك الشأن ، فو اللّه لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها ، فقلت : سبحان اللّه ولقد تحدث الناس بهذا ؟ فبت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا اكتحل بنوم ، ثم أصبحت فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي ، يستشيرهما في فراق أهله ، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم ، فقال : أهلك يا رسول اللّه ولا نعلم إلا خيرا . وأما علي فقال : يا رسول لم يضيّق اللّه عليك ، والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك ، فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بريرة فقال : يا بريرة هل رأيت فيها شيئا يريبك ؟ فقالت : لا والذي بعثك