عماد الدين خليل

316

دراسة في السيرة

- فقال لهم : « هذا ما فعلتم بأنفسكم ، أحللتموهم بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما واللّه لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم » « 1 » . توجه زيد بن أرقم فورا إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأخبره الخبر ، فقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، الذي كان يقف إلى جواره : مر عبّاد بن بشر فليقتله . فأجابه الرسول صلى اللّه عليه وسلم : إذن لأرعدت له أنف بيثرب كثيرة . . وكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ؟ لا ولكن أذّن بالرحيل ، وذلك في ساعة لم يكن الرسول صلى اللّه عليه وسلم يرتحل فيها . فتحرك المسلمون ، وعندما سمع ابن أبي أن أمره قد انكشف مشى إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم متوسلا وحلف باللّه : ما قلت ما قاله زيد ولا تكلمات به ! ! فقال عدد من الأنصار عطفا على ابن أبيّ لمكانته في قومه : عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل ! وعندما سمع أسيد بن حضير ، أحد كبار الأنصار ، الخبر من الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأن ابن أبيّ زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قال أسيد : فأنت يا رسول اللّه الأعز واللّه تخرجه منها إن شئت ، هو واللّه الذليل وأنت العزيز . وما لبث أسيد أن تذكر الظروف التي أحاطت بزعيم المنافقين ودفعته إلى اتخاذ موقفه الحانق هذا على الإسلام ورسوله فقال : يا رسول اللّه ، ارفق به ، فو اللّه لقد جاءنا اللّه بك وأن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه ، فإنه ليرى إنك قد استلبته ملكا « 2 » ! ! انطلق الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالمسلمين يومهم ذاك حتى أمسى ، وليلتهم حتى أصبح ، وصدر يومهم التالي ، حتى آذنتهم الشمس بالمغيب ، فعسكر بهم ، وما أن وجدوا مسّ الأرض حتى وقعوا نياما . ولقد كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم حكيما في معالجته ( الموقف ) بهذا الأسلوب العملي . إنه موقف ( نفسيّ ) يتوغل بعيدا في مسارب النفوس والأعصاب ، ومجابهته بالكلام والأقوال قد لا تجدي ، وربما تزيده تعقيدا ، فليكن الأمر إذن ( عملا ) مجهدا يوازي في حجمه حجم الموقف نفسه ، ويمتصّ كل ما يمكن أن يغرزه في نفوس المسلمين من سموم ، وسيتكفل التعب والنسيان بعد ذاك بالإتيان على بقاياه ! ! ومن أجل ذلك يقول ابن هشام : « وإنما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس من عبد اللّه

--> ( 1 ) ابن هشام ص 237 - 238 ، الطبري : 2 / 605 ، ابن سعد 2 / 1 / 46 ، الواقدي 2 / 415 . ( 2 ) ابن هشام ص 238 - 239 ، الطبري 2 / 605 - 606 ، الواقدي 2 / 417 - 419 .