عماد الدين خليل

296

دراسة في السيرة

لكن اليهود تناسوا ، بعد قليل ، هذه المواقف السمحة ، العادلة إزاءهم ، وسعوا إلى الثأر لأنفسهم كلما سنحت الفرصة لهم بذلك . كانت أولى المحاولات ما تم على يد زينب ابنة الحارث ، زوجة سلام بن مشكم ، إذ أهدت للرسول شاة مشوية نثرت فيها السم ، فلما مضغ من ذراعها مضغة لم يسغها ولفظها قائلا : إن هذا العظم ليخبرني أنه مسموم . وكان بشر بن البراء قد أكل هو الآخر فمات بعد قليل ، وجيء بالجانية فاعترفت وقالت للرسول صلى اللّه عليه وسلم : بلغت من قومي ما لم يخف عليك ، فقلت : إن كان ملكا استرحت منه ، وإن كان نبيا فسيخبر ، فتجاوز عنها الرسول « 1 » وقيل إنه قتلها « 2 » . ويذكر الواقدي « 3 » وعدد آخر من المؤرخين أن وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم التي جاءت بعد ثلاث سنوات كانت بسبب السم الذي دسّ له يوم خيبر « 4 » ، وهو احتمال ضعيف بعد مرور هذه المدة الطويلة . بعد فترة قصيرة قام يهود خيبر باغتيال عبد اللّه بن سهل الأنصاري ، إلا أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأبا بكر رضي اللّه عنه ، من بعده ، أبقياهم على ما كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد اشترط عليهم ، سيما وأنهما - كما يقول ابن سعد - لم يكن لهما من العمال ما يكفون عمل الأرض « 5 » . وعندما تولى عمر رضي اللّه عنه الخلافة وبلغته أنباء اغتيال المسلم من قبل يهود خيبر واعتدائهم على عبد اللّه بن عمر ، وكثر عمال المسلمين وتقووا على استثمار الأرض ، وتنفيذا لحديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم يوم وفاته : ألا يجتمع في جزيرة العرب دينان ، أصدر إنذاره إلى يهود خيبر « إن من كان عنده عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فليأتني به أنفذه له ، ومن لم يكن عنده عهد فليتجهز للجلاء ، ومن ثم قام بإجلاء عدد من يهود خيبر وقسم أموالهم على المسلمين « 6 » .

--> ( 1 ) ابن هشام ، ص 264 - 265 ، الطبري : تاريخ 3 / 15 - 16 ، الواقدي 2 / 677 - 679 . ( 2 ) ابن سعد 2 / 1 / 78 . ( 3 ) المغازي ، 2 / 678 - 679 . ( 4 ) انظر المسعودي : الإشراف والتنبيه ص 223 - 224 . ( 5 ) الطبقات الكبرى : 2 / 1 / 82 - 83 . ( 6 ) الواقدي 2 / 713 - 721 ، ابن سعد 2 / 1 / 83 ، الطبري : تاريخ 3 / 20 - 21 ، البلاذري : فتوح 1 / 25 ، 27 ، 28 ، 31 ، 40 . ويذكر ولفنسون ( تاريخ اليهود ص 183 ) أن عمر ( رضي اللّه عنه ) لم يتعرض ليهود وادي القرى وتيماء بسوء وأنه يؤخذ من هذا أن أهاليها كان لهم عقد خاص لم يسمح للخليفة بإخراجهم من بلادهم . كما يذكر أنه بقيت الأغلبية لليهود في وادي القرى إلى القرن الحادي عشر ، وكذلك وجدت طوائف منهم في جهات تيماء في الثاني عشر . . . أما في بلاد اليمن فقد بقي اليهود طوال العصور القديمة ولم يزل لهم وجود في جهات مختلفة من أطراف الجزيرة إلى أيامنا هذه ( المصدر السابق ص 186 ) وعن