عماد الدين خليل
297
دراسة في السيرة
ونحن لا نستطيع أن ندرك مغزى حديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلا إذا عدنا بأذهاننا إلى الوراء ، إلى السنة التاسعة للهجرة ، حيث نزلت آيات براءة تعلن إنهاء الوجود الوثني في جزيرة العرب . وقلنا هناك إن الضرورتين الاستراتيجية والحضارية هما اللتان دفعتا إلى اتخاذ هذا الموقف ، ومن ثم يجيء تأكيد الرسول صلى اللّه عليه وسلم في أخريات حياته ( ألا يجتمع دينان في الجزيرة ) ، ضمانة أخرى بصدد تعزيز الاستراتيجية الإسلامية التي رسمها صلى اللّه عليه وسلم واستهدف منها جعل جزيرة العرب قاعدة إسلامية خالصة مهيّأة لانطلاق أتباعه برسالته إلى العالم كله ، وهم قد أمنوا على ظهورهم من طعنات أتباع الديانات الآخرى في قلب بلادهم ، ومن السموم التي يمكن أن تنفثها جيوبهم المنبثة هناك ، والتي لم تكن حركات الردة والتنبؤ بأقلها خطرا . . وهذا الموقف لا يتعارض مع بقاء بعض التجمعات اليهودية المسالمة التي لا تملك تأثيرا كبيرا في بعض مناطق الجزيرة والتي كانت تربطها مع الرسول صلى اللّه عليه وسلم عهود خاصة . لما سمع يهود فدك ، القرية اليهودية المجاورة ، بما حل برفاقهم في خيبر من معاملة طيبة بعثوا إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم يعلنون رغبتهم في المصالحة على مناصفة أراضيهم « 1 » . أما وادي القرى فقد ظلت عاصية ، فتوجه إليها الرسول صلى اللّه عليه وسلم وفرض الحصار عليها ، ودعا أهاليها إلى الإسلام ، وأخبرهم أنهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم وحقنوا دماءهم ، وحسابهم على اللّه ، ولكنهم أبوا وأصروا على القتال ، وجرت بين الطرفين مناوشات محدودة ، والرسول يعرض عليهم الإسلام وهم يأبون مما دفعه إلى تشديد الحصار عليهم حيث تمكن بعد قليل من فتح بلدهم عنوة ، وبقي هناك أربعة أيام قسم خلالها الغنائم على أصحابه وترك المزارع بيد اليهود مناصفة عليها . ولما بلغت يهود تيماء أنباء الانتصارات الإسلامية صالحوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم على الجزية وأقاموا في بلدهم « 2 » . [ 8 ] وبسقوط خيبر والمواقع المجاورة تم تصفية آخر تجمع يهودي لعب دوره
--> فتح خيبر ومسألة إخراج اليهود من الجزيرة انظر كذلك كتاب الخراج لأبي يوسف ص 29 وكتاب الأموال لأبي عبيد ص 99 وابن كثير : البداية والنهاية 4 / 181 - 220 . ( 1 ) الواقدي 2 / 706 - 707 ، البلاذري : فتوح 1 / 33 خليفة بن خياط : تاريخ 1 / 47 - 48 . ( 2 ) الواقدي 2 / 709 - 711 ، البلاذري : فتوح 1 / 39 - 40 ، المسعودي : التنبيه والإشراف 224 - 225 .