عماد الدين خليل
259
دراسة في السيرة
عليّ الأرض بما رحبت ، سمعت صوت صارخ ينادي بأعلى صوته : يا كعب بن مالك أبشر ! فخررت ساجدا ، وعرفت أن قد جاء الفرج وآذن رسول اللّه بتوبة اللّه علينا حين صلى صلاة الفجر ، فذهب الناس يبشروننا ، فذهب قبل صاحبي مبشرون . . فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه ، واللّه ما أملك غيرهما يومئذ . واستعرت ثوبين فلبستهما وانطلقت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة . . حتى دخلت المسجد ، فلما سلمت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور : أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك . قلت : أمن عندك يا رسول اللّه أم من عند اللّه ؟ قال : لا بل من عند اللّه ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا سرّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر ، وكنا نعرف ذلك منه . فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول اللّه إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى اللّه وإلى رسول اللّه ، فقال : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك . . فقلت : يا رسول اللّه إن اللّه إنما نجاني بالصدق ، وإن من توبتي ألاأحدث إلا صدقا ما بقيت ، فو اللّه ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه اللّه في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أحسن مما أبلاني ، ما تعمدت منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى يومي هذا كذبا وأني لأرجو أن يحفظني اللّه فيما بقيت . . » « 1 » . وهنالك من ظلوا يتخبطون في بدايات الطريق ولا يقدرون على الخروج من حفره الضيقة : المعذرون من الأعراب الذين جاؤوا يلتمسون الأعذار من الرسول كيلا يذهبوا إلى القتال فلم يعذرهم اللّه ، والمنافقون الذين راحوا يروجون شائعات الخوف والجبن والتردد ، ويهمس بعضهم في أذن البعض الآخر : لا تنفروا في الحر ! ! ولقد تحدث عنهم القرآن فيما بعد ، بضربات كاوية كجمرات جهنم وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ « 2 » ، وعندما انطلقوا مع زعيمهم عبد اللّه بن أبيّ ، ما لبثوا أن انقلبوا عائدين في أول الطريق « 3 » وزعيمهم يردد « يغزو محمد بني الأصفر ، مع جهد الحال والحر والبلد البعيد إلى ما لا قبل له به ، يحسب محمد أن قتال بني
--> ( 1 ) البخاري : التجريد : 2 / 100 - 104 ، الواقدي 3 / 1049 - 1056 ، ابن كثير : البداية والنهاية 5 / 23 - 26 . ( 2 ) سورة التوبة ، الآية : 81 . ( 3 ) ابن سعد 2 / 1 / 19 .