عماد الدين خليل

258

دراسة في السيرة

أعطيت جدلا ، ولكني واللّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن اللّه أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه أني لأرجو فيه عفو اللّه ، لا واللّه ما كان لي من عذر ، واللّه ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي اللّه فيك » . « فقمت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني ، فقالوا لي : واللّه ما كنا علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت ألاتكون اعتذرت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون . . فو اللّه ما زالوا يؤنبونني حتى كدت أن أرجع فأكذب نفسي ، ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا نعم ، رجلان قالا مثل ما قلت فقيل لهما ما قيل لك . فقلت : من هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع وهلال بن أمية ، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة ، فمضيت حين ذكروهما لي » . « ونهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن كلامنا من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف . فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد ، وآتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأقول في نفسي هل حرّك شفتيه بردّ السلام عليّ أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه . . . حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي ، فسلمت عليه فو اللّه ما ردّ عليّ السلام . . ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار . فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام - ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة - يقول : من يدلني على كعب بن مالك ؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إلي كتابا من ملك غسان فإذا فيه : أما بعد ، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك اللّه بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك ، فقلت لما قرأتها ، وهذا أيضا من البلاء ، فتيممت بها التنور فسجرته بها . . » . « حتى إذا كملت خمسين ليلة من حين نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن كلامنا ، وصليت الفجر ، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا ، قد ضاقت عليّ نفسي ، وضاقت