عماد الدين خليل
254
دراسة في السيرة
وكان ممن جاء إلى تبوك يوحنة بن رؤبة صاحب أيلة حيث صالح الرسول صلى اللّه عليه وسلم ووافق على منحه الجزية . كما جاءه أهل جرباء وأذرح وأعطوه الجزية التي تعني إشعارا ماديا بانتمائهم إلى الدولة الإسلامية وقطع علاقاتهم وارتباطاتهم بمن سواها . وقد كتب الرسول صلى اللّه عليه وسلم ليوحنة عهدا يمثل ( نموذجا ) للعهود التي كان يكتبها للجماعات النصرانية مانحا إياهم فيها حرية الدين والمواطنة على السواء ، ومؤكدا على كونهم قد غدوا مرتبطين بالدولة الإسلامية وحمايتها وسلطتها : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . هذه أمنة من اللّه ومحمد النبي رسول اللّه ليوحنة بن رؤبة وأهل أيلة ، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر ، لهم ذمة اللّه وذمة محمد النبي ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر . فمن أحدث منهم حدثا فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، وإنه طيب لمن أخذه من الناس وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونه من بر أو بحر » . كما وجه صلى اللّه عليه وسلم خالدا بن الوليد على رأس كتيبة إلى أمير دومة النصراني المدعو أكيدر بن عبد الملك ، فتمكن خالد من أسره وقتل أخيه والعودة بالأمير إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فحقن الرسول دمه ، وصالحه على الجزية ، ثم أطلق سبيله فرجع إلى بلده « 1 » . وبعد عشرين ليلة قضاها الرسول صلى اللّه عليه وسلم وقواته في تبوك ، قفل عائدا إلى المدينة بعد أن حقق بحركته الصعبة تلك انتصارا على الجبهة النصرانية - البيزنطية ، لا يقل خطرا عن انتصاراته الحاسمة على جبهات الوثنية واليهودية . فقد كسب عددا من القبائل العربية القاطنة في جنوب الشام إلى جانب الدولة الإسلامية ، وقطع علاقاتها بالروم ، وأشعر القبائل الآخرى بمدى قوة الدولة الجديدة وامتداد نفوذها إلى قلب الديار التي كان أهلها يعملون لصالح سادتهم الروم ، ويلعبون دورا خطيرا في مقاومة امتداد الإسلام صوب الشمال . ولم تكن محنة مؤتة سوى محاولة واحدة من عدد من محاولات هؤلاء العرب بوجه الإسلام . وها هم الآن - بعد تبوك - قد اقتنعوا بأن الاحتماء بالسلطة البيزنطية سوف لن ينقذهم من العقاب ، فبدؤوا يتهافتون على الرسول صلى اللّه عليه وسلم طالبين الصلح معه ودفع الجزية له ! !
--> ( 1 ) ابن هشام ص 332 - 334 ، الطبري : تاريخ 3 / 108 - 109 ، ابن سعد 1 / 2 / 28 - 29 ، 37 و 2 / 1 / 120 ، الواقدي 3 / 1025 - 1032 ، البلاذري : فتوح 1 / 71 - 73 ، المسعودي : التنبيه والإشراف ص 236 ، وانظر حميد اللّه : الوثائق ص 116 - 118 ، 118 - 119 ، 119 - 124 .