عماد الدين خليل
255
دراسة في السيرة
إلا أن الانتصار الأهم ، هو أن استجابة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لتحدي الروم ، وتقدمه لقتالهم وانسحابهم من طريقه ، وانتظاره إياهم قرابة عشرين يوما دون أن يحركوا ساكنا ، جاء ضربة قاصمة للسيادة البيزنطية في بلاد الشام ، وإضعافا لمركزها الأدبي وسطوتها على القبائل العربية ، وكسرا لجدار الخوف العربي من القوة البيزنطية ، وهو انتصار نفسي حاسم مكن العرب ، بعد سنين معدودات ، من تجاوز ولائهم القديم والانطلاق لضرب البيزنطيين وإلحاق الهزائم بهم وطردهم إلى بلادهم التي جاؤوا منها . إن غزوة تبوك تمثل خطوة من خطوات الحركة الإسلامية المسلحة صوب الخارج ، وتخطيا لنطاق العرب وجزيرتهم إلى العالم ، وبادرة متقدمة لحركة الفتوحات التي شهدها عصر الراشدين . ولقد جاءت تجربة تبوك التي سماها المسلمون ( غزوة العسرة ) وقالوا إنها جاءت عسرة من الماء وعسرة من الظهر وعسرة من النفقة ، شبيهة بمحنة ( أحد ) ، نارا ممحصة على حريقها ووهجها تميز المنتمون إلى معسكر الإسلام ، درجات بعضها فوق بعض ، وهذا شأن كل معسكر في تاريخ البشرية ، فليس بنو آدم ملائكة يقفون صفا واحدا ولكنهم يتميزون في إيمانهم وإخلاصهم وانتمائهم ، تميزهم الانتصارات الحاسمة والإنكسارات الخطيرة وتفرّق بينهم تجارب الراحة والسعادة وآلام المحن والنكبات . فها نحن أولاء نجد ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم يدعو المسلمين أن يتجهزوا للرد على التحدي البيزنطي عبر المجاعة والعطش وجحيم الصحراء وطريقها الطويل ، أناسا يقفون في القمة ، وآخرين يتحركون صعدا في منتصف الطريق لا يقدرون على الصعود خطوات أخرى إلى أعلى ، وهم مع ذلك يحاولون ويحاولون ، وفئة ثالثة حرنت في مواقعها لا تريد أن تسعى ولا أن تتحرك . . وهنالك في الأسفل ، عند جدار المرتفع وفي منخفضاته ، طوائف كثيرة من المنافقين والمنهزمين ، يتخبطون كالحشرات والديدان دوارا على أنفسهم وبقاء في الحفر الضيقة ! ! أنفق عثمان بن عفان - يومها - نفقة عظيمة لم ينفق أحد مثلها ، بلغت - فيما ذكره البلاذري - سبعين ألف درهم « 1 » ، وتصدى بماله لمشكلة النقص الخطير في
--> ( 1 ) أنساب الأشراف 1 / 368 .