عماد الدين خليل
25
دراسة في السيرة
دوزي : « كان محمد يشاطر بني جلدته نظرتهم ( القائمة على الاحتقار ) إلى اليمنيين والزراع حتى ليؤثر عنه أنه سمع رجلا ينشد بيتا يشير فيه إلى أنه حميري وليس أسلافه من ربيعة ولا مضر ، فقال له ما معناه : أفّ لك ، إن هذا نسب يبعدك عن اللّه ورسوله . ويقال أيضا أنه رأى محراثا في بيت رجل من أهل المدينة ، فذكر له أنه ما دخل دار قوم إلا دخلها الذل . إلا أنه لما يئس من حمل أهل جنسه من التجار والبدو على اعتناق مبادئه ، ولما رأى أنه مهدد في حياته منذ أن مات عمه وحاميه أبو طالب ، فقد اضطر لتناسي هذه النظرة وقبول كل مساعدة من أي جانب صدرت عنه . فرحب بوفود عرب المدينة الذين عطفوا عليه وأكرموه لما أنزل به المكيون من الاضطهاد والتنكيل » « 1 » . « وطال أمد النضال بينهم وبين مشركي مكة حتى استغرق ثماني سنوات نشرت خلالها جيوش المسلمين الرعب في شتى بقاع شبه الجزيرة مما حمل كثيرا من القبائل على اعتناق الدين الجديد . . . وانتهى الأمر أخيرا بفتح مكة ، الذي يصوّر الذروة التي آلت إليها قوة محمد . ففي هذا اليوم تطلّع أهل المدينة للأخذ بثأرهم من هؤلاء التجار المتكبرين الساخرين بهم . . غير أن أحلامهم تلاشت إذ أمر الرسول قواده باصطناع الرأفة البالغة ، وساعده المكيون - صامتين - في تحطيم أصنامهم المنصوبة في الكعبة . . تعبدها شتى القبائل التي اعترفت بمحمد رسولا للّه ، والغيظ يملأ قلبها ، وكتمت في نفسها الانتقام إلى يوم تسنح لها فيه الفرصة من هؤلاء الأجلاف : يهود المدينة ( ! ! ) الذين دنسوا الشرف بغزوهم لبلدهم . وبعد أن تم فتح مكة رأت القبائل الباقية على شركها عدم جدوى المقاومة واعتنقت الإسلام ، تحت عامل الخوف من حرب مهلكة ، إذ كان قواد محمد يدعون للدين حاملين القرآن في يد والسيف في أخرى » « 2 » . فلهاوزن : « ولم يبق الإسلام على تسامحه - بعد بدر - بل شرع في الأخذ بسياسة الإرهاب في داخل المدينة ، وكانت إثارة مشكلة المنافقين علامة على ذلك التحول . . أما اليهود فقد حاول أن يظهرهم بمظهر المعتدين الناكثين للعهد . وفي غضون سنوات قليلة أخرج كل الجماعات اليهودية ، أو قضى عليها في الواحات المحيطة بالمدينة حيث كانوا يكوّنون جماعات متماسكة كالقبائل العربية ، وقد
--> ( 1 ) تاريخ مسلمي الأندلس 1 / 27 . ( 2 ) المصدر السابق 1 / 27 - 28 .