عماد الدين خليل

247

دراسة في السيرة

حتى يقال ، إذا مروا على جدثي ، * يا أرشد اللّه من غاز وقد رشدا وعندما ودعهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم وانصرف راجعا أنشد ابن رواحة : خلف السلام على امرئ ودعته * في النخل خير مشيع وخليل « 1 » مضت قوات المسلمين حتى بلغت معان جنوبي الأردن ، فعسكرت فيها ، وبلغ قادتها هناك أن الإمبراطور البيزنطي قد سمع نبأ التحرك الإسلامي فتقدم على رأس مائة ألف من الروم - فيما تذكر الروايات - وعسكر في مآب من أرض البلقاء . ويذكر المسعودي أن هرقل كان مقيما آنذاك في أنطاكية وأنه ولّى قيادة جيشه تيادوتس البطريق « 2 » ، ويؤكد بروكلمان ما ذهب إليه المسعودي مصححا اسم القائد البيزنطي ( ثيودورس ) « 3 » . وفي مآب التحقت بالقوات البيزنطية القبائل العربية الموالية من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلى ، قادهم شرحبيل بن عمرو الغساني وبلغوا - فيما تذكره الروايات - مائة ألف . ولا ريب أن المبالغات التي أعقبت هذه المعركة التي انسحب فيها المسلمون كثرت من عدد العدو وجعلته يبلغ هذا الرقم الخيالي ، وإن كان بمستطاع القبائل العربية الضاربة في المنطقة أن تهرع لنجدة سيدها بعشرات الآلاف من المقاتلين « 4 » . ظل المسلمون معسكرين في معان طيلة ليلتين ، يتدبرون أمرهم ، وقال بعضهم : نكتب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا ، فإما أن يمدنا بالرجال وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له . إلا أن عبد اللّه بن رواحة اندفع بفورة حماس يعرفها جيدا من يعيش فورات التجربة الشعرية وانفعاليتها مقترنة بزخم إيماني لا ترده رؤية أو تمهل ، راح ينادي أصحابه : يا قوم ، واللّه إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون : الشهادة ! ! وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذين أكرمنا اللّه به ، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين : إما ظهور وإما شهادة ! ! فأجابه الناس الذين لم يعرفوا خوفا يوما أو تراجعا ، والذين يدركون جيدا كم هو عظيم الهدف الذي خرجوا من أجله ، وكم هي غالية ( الشهادة ) على

--> ( 1 ) ابن هشام ص 270 - 271 ، الطبري : تاريخ 3 / 37 ، الواقدي 2 / 756 - 759 . ( 2 ) التنبيه والإشراف ص 230 . ( 3 ) تاريخ الشعوب الإسلامية ص 59 . ( 4 ) ابن هشام ص 271 ، الطبري 3 / 37 ، ابن سعد 2 / 1 / 93 ، الواقدي 2 / 760 .