عماد الدين خليل
248
دراسة في السيرة
قلوب أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : قد واللّه صدق ابن رواحة « 1 » . غادر المسلمون معسكرهم في معان وانطلقوا شمالا حتى إذا بلغوا تخوم البلقاء لقيتهم جموع الروم والعرب في قرية من قرى البلقاء تدعى مشارف ، فانحازوا صوب قرية مؤتة ، وهناك عبأوا أنفسهم فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له قطبة بن قتادة ، وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يسمى عباية ابن مالك وبدأ القتال المرير . وانطلق زيد بن حارثة براية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقاتل حتى شاط في رماح القوم وغرق بدمائه ، فتسلّم الراية جعفر بن أبي طالب ذو الثلاث والثلاثين سنة من العمر وانطلق يقاتل حتى إذا أحاط به العدو من كل مكان وسددوا إليه ضرباتهم ، اقتحم عن فرسه الشقراء وضرب قوائمها بالسيف وراح يجالد القوم وهو ينشد : يا حبذا الجنة واقترابها * طيبة وباردا شرابها والروم روم قد دنا عذابها * كافرة بعيدة أنسابها علي إذ لاقيتها ضرابها كان جعفر يحمل الراية بيمينه فلما قطعوها أخذها بشماله ، فلما قطعوها احتضنها بعضديه حتى قتل في أعقاب ضربة من جندي رومي قطعته نصفين ، فانقض عبد اللّه بن رواحة وحمل الراية وتقدم بها على فرسه . وفي موجة من الرعب الذي لا يرحم ، منبثقا هذه المرة أيضا عن انفعالية الشعراء وتأرجحهم النفسي ، وحساسيتهم ، تردد عبد اللّه بعض التردد إلا أنه ما لبث أن تفوق على خوفه وتردده ، ونزل عن فرسه لكي يشتبك بأعداء اللّه وهو ينشد : أقسمت يا نفس لتنزلنه * لتنزلنه أو لتكرهنه إن أجلب الناس وشدوا الرنة « 2 » * ما لي أراك تكرهين الجنة ؟ يا نفس إلّا تقتلي تموتي * هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت * أن تفعلي فعلهما هديت وأتاه ابن عم له بقطعة لحم وقال : شد بها صلبك ، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت ! ! فأخذها منه واقتطع منها مضغة لكنه ما لبث أن سمع احتدام
--> ( 1 ) ابن هشام ص 271 - 272 ، الطبري : تاريخ 3 / 37 - 38 ، الواقدي 2 / 760 . ( 2 ) الرنة : ترجيع شبيه بالبكاء .