عماد الدين خليل

223

دراسة في السيرة

وأصبحت تقاليد الحج مثل ذلك وصار تحت السلطان الإسلامي ، وليس من المعقول أن يسمح للمشركين بممارسة تقاليد الوثنية فيه ، عدا ما له من الحق الطبيعي في سدّ بابه على أعدائه السياسيين والدينيين « 1 » . وقد أتي هذا البيان ثمرته ، فإن النبي قد حج في العام العاشر حجته الأخيرة على النظام الإسلامي الكامل ، وحج معه فيها حوالي مائة ألف من حاج العرب « 2 » ، لم يكن من بينهم مشرك واحد . وفي الفترة التي تقع بين إعلان براءة ووفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم طبّق الرسول قانون براءة بحذر شديد وكياسة سياسية بارعة وتجنب الاصطدام بالقبائل وإلا جرح كبرياءها وأثار عصبيتها ، ولذلك كان يكتفي من وفودها بإعلان إسلامهم وانضمامهم إلى حكومته ، ويرسل معهم عند عودتهم مسلمين يعلمونهم الإسلام في بلادهم « 3 » . والواقع أن ( إعلان براءة ) بوقف الوثنية نهائيا ، أمر لا يمكن إدراك أبعاده إلا إذا نظرنا إلى المسألة من جانبيها ( الحضاري ) و ( الاستراتيجي ) كضرورتين يرتبط بعضهما ببعض وتسوقان إلى اتخاذ إجراء حاسم كهذا . فأما أولاهما فهي أن الوثنية ، على خلاف سائر الأديان الآخرى ، تمثل الدرك الأسفل في موقف الإنسان الديني من الكون ، موقف يشده إلى الحجارة ويصده عن التقدم إلى الأمام ويحجب عن بصيرته الرؤية الشاملة لدور الإنسان في الأرض وعلاقته بالقوى الآخرى في الوجود . ولو بقي العربي على وثنيته لظل بحكم موقفه المحدود هذا ، أسير جهله وتأخره ، وسجين عالم تضيق آفاقه لكي ما تلبث أن تعزله عن العالم وتحصره في قلب الصحراء « 4 » . وأما ثانيتهما فتقوم على أن الدولة ( العقيدية ) التي أنشئت في قلب المنطقة العربية ، وامتد نفوذها السياسي إلى كافة أرجاء الجزيرة ، وبدأت تحشد قواها وطاقاتها الجهادية للانتقال صوب الخطوة التالية في التحرك إلى العالم المحيط كله . . هذه الدولة كان عليها أن تعتمد استراتيجية صارمة ، واضحة المعالم ، من أجل أن تحمي وجودها في شبه الجزيرة ، من جيوب الوثنية العربية ومراكز القوى

--> ( 1 ) دروزة : سيرة الرسول 2 / 371 . ( 2 ) انظر : المقريزي : إمتاع 1 / 512 . ( 3 ) الشريف : مكة والمدينة ص 538 . ( 4 ) انظر كتاب ( تهافت العلمانية ) للمؤلف ، فصل ( مواقع العلم والدين ) .