عماد الدين خليل
224
دراسة في السيرة
الجاهلية ، وأن تحيط مركز انطلاقها إلى العالم بسياج من الوحدة العقيدية والسياسية على السواء ، لئلا تضرب من الخلف وهي تمارس صراعها مع القوى الخارجية ، حاشدة له جل طاقاتها . وعلى ضوء هذا الارتباط بين الضرورتين الحضارية والاستراتيجية يمكن أن نتفهم موقف الحركة الإسلامية ، نظرية وتطبيقا ، إزاء عدد من الأديان . فمهادنتها اليهودية والنصرانية في شبه الجزيرة نفسها كان ينبثق عن كون الديانتين كتابيتين متقدمتين ( فكريا ) على سائر الديانات الآخرى السابقة والمعاصرة للإسلام ، فضلا عن كونهما لا تمثلان - من الناحية الكمية - خطرا استراتيجيا على الدولة الإسلامية في شبه الجزيرة . إلا أن اليهود عندما نشطوا قبل غزوة خيبر الحاسمة وبعدها لضرب الدولة ، وإجراء اتصالات عديدة مع القوى الخارجية المتربصة ، صدر أمر بعدم السماح لهم بالبقاء في الجزيرة ، في أقسامها الشمالية على الأقل ، وقد تمثل هذا الأمر بحديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم ( لا يجتمع دينان في الجزيرة ) ، كما تمثل بخطوات عمر بن الخطاب العملية لإجلاء معظم اليهود عن المنطقة . وموقف الإسلام - كذلك - من المجوسية والبوذية ، وعدم سعيه لتصفيتهما - رغم تأخرهما الحضاري - يعود إلى أنهما لا يشكلان خطرا استراتيجيا مباشرا على قاعدة انطلاقه إلى العالم ، شأن الوثنية في شبه الجزيرة . وهكذا يجيء إعلان ( براءة ) نصرا حضاريا واستراتيجيا لدولة الإسلام ، وهي تتهيأ للخطوة التالية في ( تحضير ) العالم و ( جهاد ) قياداته ( الكافرة ) جميعا من أجل منح حرية الاعتقاد للإنسان حيثما كان .