عماد الدين خليل
219
دراسة في السيرة
وقدمت كذلك وفود بلى والداريين ( من لخم ) وسلامان وغسان وغامد وبنو أسد وقال هؤلاء للرسول : قدمنا يا رسول اللّه من قبل أن ترسل إلينا رسولا فأنزل اللّه سبحانه فيهم يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ « 1 » ، كما قدمت وفود بهراء وبني البكاء وبني فزارة « 2 » . وأرسلت بنو سعد بن بكر ضمام بن ثعلبة إلى رسول اللّه ، فقدم عليه ، وأناخ بعيره عند باب المسجد ثم دخل المسجد ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالس بين أصحابه ، ووقف قريبا منه وقال : أيكم ابن عبد المطلب ؟ أجاب الرسول : أنا . قال الرجل : يا ابن عبد المطلب إني سائلك ومغلظ لك في المسألة فلا تجدنّ في نفسك . قال : لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك . قال : أنشدك باللّه إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك ، اللّه بعثك إلينا رسولا ؟ قال : اللهم نعم . قال : فأنشدك باللّه . . اللّه أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا ، وأن نخلع هذه الأنداد التي كانت آباؤنا تعبد من دونه ؟ قال : اللهم نعم ، قال : فأنشدك باللّه . . . . آللّه أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس ؟ قال : اللهم نعم . ثم جعل ضمام يذكر فرائض الإسلام واحدة واحدة ، حتى إذا فرغ قال : أشهد ألاإله إلا اللّه وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا رسول اللّه . وانصرف راجعا حتى إذا قدم على قومه ، اجتمعوا إليه فراح يصرخ فيهم : بئست اللات والعزى قالوا : مه يا ضمام ، اتق البرص ، اتق الجذام ، اتق الجنون ! قال : ويحكم ، إنهما واللّه لا ينفعان ولا يضرّان ، وإن اللّه قد بعث رسولا ، وأنزل عليه كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه ، وإني أشهد ألاإله إلا اللّه وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه . قال ابن عباس : فو اللّه ما أمسى ذلك اليوم وفي حيّه رجل ولا امرأة إلا مسلما « 3 » . ذلك وفد - يقول الغزالي - « يمثل بساطة الأميين في منطقهم ، وسلامة طريقتهم في جدلهم وخلوّ أذهانهم من العقد التي تعترض الحق في مسيله السمح . ولا نكران في أن جهاد الدعوة القديم له أثره في الوصول إلى هذه النتائج السريعة ، وهذا طبيعي ، فإن تغيير دين ليس كتجديد زي ، وضمام كان يستحضر في ذهنه وهو يسأل النبي ، ثم وهو يخطب
--> ( 1 ) سورة الحجرات : الآية 17 ، وانظر : الطبري 3 / 96 ، 130 . ( 2 ) الطبري : 3 / 122 . ( 3 ) الطبري 3 / 124 - 125 .