عماد الدين خليل

217

دراسة في السيرة

وصوله إلى اللات وراح يعمل فيها ضربا بمعوله ، وقومه يحمونه خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة بن مسعود . وخرجت نساء بني ثقيف حاسرات يبكين ويندبن إلههنّ وهو يتهاوى إلى الأرض قطعا من الحجارة الصماء . وما لبث المغيرة أن أتمّ مهمته ، ومحا من الطائف ذلك المركز المهم الثالث في شمال الجزيرة ، رمزها الوثني الذي حجبها عن الالتحاق بالدعوة الجديدة ردحا طويلا « 1 » . وغدا الطائفيون من أشد الجماعات إخلاصا للدعوة حتى أن المغيرة قال عنهم : « لا أعلم قوما من العرب ولا قبيلة كانوا أصحّ إسلاما ولا أبعد أن يوجد فيهم غش للّه ولكتابه منهم » « 2 » . . وهكذا جاء البذار الذي زرعه الرسول صلى اللّه عليه وسلم قبل عام واحد عند أسوار الطائف ، بثماره الحلوة ! ! كان الوفد الثاني الذي قدم المدينة ، بني تميم ، وكان يترأسه عطارد بن حاجب في عدد كبير من رجالات تميم وأشرافها . وعندما وصلوا المسجد ظهرا ، نادوا رسول اللّه من وراء حجراته : أن أخرج إلينا يا محمد ! فخرج إليهم الرسول وهو غير مرتاح لأسلوبهم البدوي الخشن في ندائه ، وقام زعيمهم فألقى كلمة عدّد فيها ماثر بني تميم وفضلهم في الناس . فأمر الرسول خطيبه ثابت بن قيس الخزرجي أن يرد على الرجل . فقام قيس خطيبا في المجتمعين ، فبدأ كلامه بمحمد اللّه والثناء عليه ثم تطرق إلى نبوة الرسول وفضله وختم خطابه قائلا : « . . . واستجاب للّه حين دعاهم رسول اللّه ، نحن ، فنحن أنصار اللّه ووزراء رسوله ، نقاتل الناس حتى يؤمنوا باللّه ، فمن آمن باللّه ورسوله منع منا ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في اللّه أبدا ، وكان قتله علينا يسيرا . . . » ، وأعقبه الزبرقان بن بدر شاعر تميم بقصيدة أكبر فيها مكانة تميم بين العرب ، فأمر الرسول شاعره حسان بن ثابت أن يرد على الرجل ، فأجابه بقصيدة أخرى . ولما انتهى الطرفان من إلقاء خطبهم وقصائدهم أعلن وفد بني تميم الإسلام ، فمنحهم الرسول الجوائز والعطايا « 3 » .

--> ( 1 ) ابن هشام ص 339 - 340 الطبري 3 / 99 - 100 الواقدي 3 / 969 - 973 ابن حزم : جوامع 257 - 258 . ( 2 ) ابن سعد 1 / 2 / 54 . ( 3 ) ابن هشام ص 342 - 346 الطبري 3 / 115 - 120 ابن سعد 1 / 2 / 40 - 41 الواقدي 3 / 975 - 980 .