عماد الدين خليل
216
دراسة في السيرة
عودته ، قبل أن يصل المدينة ، وأعلن إسلامه ، وقفل عائدا إلى الطائف يدعو قومه إلى الإسلام متحصنا بمنزلته فيهم ومحبتهم وطاعتهم له ، إلا أن حميتهم الجاهلية أنستهم ذلك كله فرموه بالنبل من كل وجه وأصابه أحدها فخرّ صريعا ، وعندما سئل ، وهو يتضرج بدمائه : ما ترى في دمك ؟ أجاب : كرامة أكرمني اللّه بها ، وشهادة ساقها اللّه إلي ، فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم ، فادفنوني معهم . ومرت الشهور على مصرع عروة ، وبدأت ثقيف تدرك ألا طاقة لها بحرب من حولها من القبائل العربية التي بايعت وأسلمت ، فاتفق زعماؤها على أن يرسلوا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم رجلا يكلمه ، ووقع اختيارهم على عبد ياليل بن عمرو بن عمير ، أحد أشراف الطائف ، إلا أنه تخوّف أن يصنعوا به ، بعد عودته ، ما صنعوا بعروة ، وطلب منهم أن يرسلوا برفقته رجالا من شتى عشائر ثقيف ، فأجابوه واختاروا له خمسة رجال اتجه بهم إلى المدينة « 1 » . لقيهم المغيرة بن شعبة في أطراف المدينة فهرع ليبشر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بقدومهم عليه ، فلما رآه أبو بكر وعرف النبأ رجاه ألا يسبقه إلى الرسول ، حتى يكون الصدّيق أول من يحدثه بالنبأ ، ففعل المغيرة . وعندما التقوا بالرسول صلى اللّه عليه وسلم وبدؤوا حديثهم معه سألوه أن يدع لهم اللات لا يهدمها ثلاث سنين ، فأبى رسول اللّه عليهم ذلك فما برحوا يسألونه ، سنة سنة ، ويأبى عليهم ، حتى تنازلوا إلى التماس إبقائها شهرا واحدا ، والرسول يأبى أن يدعها يوما واحدا . . وكان غرضهم من ذلك أن يسلموا - بعد عودتهم - من سخط سفهائهم ونسائهم وصبيانهم ، وألا يروّعوا قومهم بهدمها ، حتى ينتشر الإسلام بينهم ، فسألوه أن يعفيهم من تحطيم أصنامهم بأيديهم فأجابهم إلى ذلك وأرسل معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة ليهدماها . وبعد أن أعلنوا إسلامهم ، كتب لهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم كتابا وأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص رغم حداثة سنه ، لكونه أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن « 2 » . عاد الوفد إلى الطائف يصحبه المغيرة وأبو سفيان ، وتوجه المغيرة فور
--> ( 1 ) ابن هشام ص 336 - 337 الطبري 3 / 96 - 98 ابن سعد 1 / 2 / 52 - 53 الواقدي 3 / 960 - 963 . ( 2 ) ابن هشام 337 - 339 الطبري 3 / 98 - 99 ابن سعد 1 / 2 / 53 - 54 الواقدي 3 / 963 - 969 ابن الأثير : الكامل 2 / 283 - 284 ابن حزم : جوامع 255 - 257 .