عماد الدين خليل
215
دراسة في السيرة
عام الوفود وتصفية الوجود الوثني كان سقوط مكة زعيمة الشرك بأيدي الفاتحين ، وهزيمة التحالف الوثني الأخير في حنين ، آخر ضربتين حاسمتين للوجود الوثني في جزيرة العرب ، انهار بعدها جدار الكفر وانطلقت حركة الإسلام بخفة وسرعة ، حيث أزيلت العوائق ، إلى كل مكان . وأدركت القبائل العربية التي ظلت على وثنيتها ألّا مناص لها من تحديد موقفها من الإسلام ودولته المتفردة بالحكم والسلطان في الجزيرة كلها ، وأن عنادها وتشبثها بمواقفها السابقة فقد مبرراته بدخول مكة في الإسلام ، وانتماء هوازن ، أكبر القبائل الوثنية ، للدين الجديد . فراحت هذه القبائل تتسابق في إرسال وفودها إلى المدينة ، قاعدة الإسلام ، مبايعة على الإسلام أو مصالحة رسوله صلى اللّه عليه وسلم . ولكثرة هذه الوفود التي انهالت على المدينة في العام التالي لفتح مكة ومطلع الذي يليه ، سماه المؤرخون ( عام الوفود ) ، وكان في طليعتها وفد ثقيف الذي قدم إلى المدينة في شهر رمضان في أعقاب عودة الرسول من غزوة تبوك . قال ابن إسحاق : « وإنما كانت العرب تربّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش ، كانوا إمام الناس وهاديهم وأهل البيت والحرم ، وصريح ولد إسماعيل ، وقادة العرب ، لا ينكرون ذلك . وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وخلافه فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ، ودوّخها الإسلام ، عرفت العرب أنه لا طاقة بحرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولا عداوته ، فدخلوا في دين اللّه عزّ وجلّ أفواجا يضربون إليه من كل وجه » « 1 » . وكان عروة بن مسعود ، أحد زعماء ثقيف ، قد أدرك الرسول صلى اللّه عليه وسلم في طريق
--> ( 1 ) ابن هشام ص 342 .