عماد الدين خليل

204

دراسة في السيرة

ورقاء وقد خرجا فيمن خرج من زعماء قريش يتحسسان الأخبار : ما رأيت نيرانا قط ولا عسكرا بهذا الشكل ، فيجيبه بديل : هذه واللّه خزاعة قد حمشتها « أحرقتها » الحرب ، فيرد أبو سفيان : خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها ! فتقدم العباس إليهما وأعلمهما حقيقة الخبر وأردف أبا سفيان وراءه في محاولة لاستئمان الرسول صلى اللّه عليه وسلم إياه ، أما صاحبه فقد قفل عائدا ، ولمحهما عمر بن الخطاب وهما يجتازان معسكرات المسلمين فانطلق إلى الرسول قائلا : يا رسول اللّه هذا أبو سفيان قد أمكن اللّه منه بغير عقد ولا عهد فدعني فلأضرب عنقه ، إلا أن العباس سرعان ما أعلن جواره له . ولما رأى عمر يلح على قتله قال له : مهلا يا عمر فو اللّه إن لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا ، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف . فأجابه عمر : مهلا يا عباس فلإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم ! وأصدر الرسول صلى اللّه عليه وسلم أمره إلى عمه أن يذهب بأبي سفيان إلى رحله فإذا أصبح أتاه به ، وفي الصباح جيء به إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم فقال له : ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا اللّه ؟ قال : بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، واللّه لقد ظننت أن لو كان مع اللّه إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد ! ! استمر الرسول : ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أني رسول اللّه ؟ قال : بأبي أنت وأمي . . أما هذه واللّه فإن في النفس منها حتى الآن شيئا . فقال له العباس : ويحك أسلم واشهد ألاإله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه قبل أن تضرب عنقك . عند ذاك أعلن أبو سفيان إسلامه . وأراد الرسول أن يتخذ منه مفتاح أمان يفتح أمامه الطريق إلى مكة دون إراقة الدماء ويكبت به روح المقاومة الوثنية المتعطشة للقتل والدماء ، فأراد أن يشبع فيه عاطفة الفخر ويحقق هدفه عن هذا الطريق ، فأعلن أن من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن . وبذلك سعى الرسول إلى تنفيذ أسلوب ( منع التجول ) لكي يتمكن من دخول مكة بأقل قدر من الاشتباكات والاستفزازات وإراقة الدماء . وجعل لدار أبي سفيان مكانة خاصة كي يكون ساعده في إقناع المكيين بالسلم والهدء . ولم يكتف الرسول بذلك بل أمر العباس أن يحجز أبا سفيان عند مدخل المضيق الذي ستنساب منه قوات المسلمين في طريقها إلى مكة فيراها رأي