عماد الدين خليل

203

دراسة في السيرة

والزبير في منتصف الطريق وأخذا الكتاب منها وقفلا عائدين ليسلماه إلى الرسول . فدعا الرسول حاطبا وسأله : ما حملك على هذا ؟ فأجاب : أما واللّه إني لمؤمن باللّه ورسوله ما غيّرت ولا بدّلت ، ولكني كنت أمرأ ليس لي في القوم من أهل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليه . فقال عمر : يا رسول اللّه دعني فلأضرب عنقه فإن الرجل قد نافق . فقال الرسول : وما يدريك يا عمر لعل اللّه اطلع إلى أصحاب بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ؟ إن ماضي حاطب في الجهاد في سبيل الدعوة وإسهامه مع رفاقه في مقاومة الوثنية في أوج عنفوانها يحجب عنه الآن الزلة الكبيرة التي ساقته قدماه إليها ، والماضي الكبير يحجب الخطأ الكبير ما دام الإيمان لم ينقلب بعد إلى كفر صريح . . . ونزلت كلمات اللّه لكي تحدد للمسلمين ، انطلاقا من هذه المناسبة العابرة ، موقفا دائما عليهم ألاينحرفوا عنه : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ . . . « 1 » . انطلق الرسول صلى اللّه عليه وسلم في العاشر من رمضان مستخلفا على المدينة أبا رهم الغفاري ومستنفرا كل قادر على القتال من المسلمين ، وعندما بلغ مر الظهران عسكر هناك في عشرة آلاف من المسلمين من بني سليم وبني غفار وبني مزينة وتميم وقيس وأسد التي دعاها لموافاته في المدينة ، ولم يتخلف من المهاجرين والأنصار أحد . ولم تكن قريش ، وقد عميت الأخبار عنها ، تعرف حتى ذلك الحين شيئا عما يفعله الرسول صلى اللّه عليه وسلم هل يريد قريشا أم هوازن أم ثقيف « 2 » ؟ ويذكر الواقدي أن المسلمين عسكروا بمر الظهران ولم يبلغ قريشا حرف واحد من مسير رسول اللّه إليهم ، فقد اغتموا وهم يخافون أن يغزوهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 3 » . وكان العباس عم الرسول قد التحق بمعسكر المسلمين وجعل هدفه أن تقتنع قريش بعدم جدوى المقاومة وأن يجيء زعماؤها فيستأمنوا الرسول قبل وقوع المحذور ، فخرج يبحث عن رجل يذهب إلى مكة ليخبر أهلها بمكان معسكر المسلمين لكي يجيئوا فيعتذروا ويستأمنوا ، وإذا به يسمع عن قرب أبا سفيان وهو يقول لبديل بن

--> ( 1 ) سورة الممتحنة ، الآية : 1 . ابن هشام ص 281 - 282 الطبري 3 / 47 - 49 ابن سعد 2 / 1 / 97 الواقدي 2 / 796 - 799 البلاذري : أنساب 1 / 354 اليعقوبي : تاريخ 2 / 47 - 48 . ( 2 ) انظر : الطبري 3 / 55 . ( 3 ) مغازي 2 / 814 .