عماد الدين خليل
186
دراسة في السيرة
ألا ليت شعري هل ابيتنّ ليلة * بفخ وحولي أذخر وجليل ؟ وهل أردنّ يوما مياه مجنّة * وهل تبدونّ لي شامة وطفيل ؟ وها هو الرسول صلى اللّه عليه وسلم يجيب على السؤال ويعلن - في ذي القعدة - أنه سيتجه إلى مكة معتمرا ، لا يريد حربا ، ويستنفر العرب وأهل البوادي من حوله ليخرجوا معه ، ويخشى أن تعرض له قريش بحرب ، أو تصده عن البيت « 1 » . أبطأ كثير من الأعراب عن الاستجابة لنداء الرسول صلى اللّه عليه وسلم تخوفا من نشوب قتال مع قريش لا يهمهم من قريب أو بعيد ، وانطلق المهاجرون والأنصار ، ومن لحق بهم من مسلمي المناطق المجاورة ، يسوقون الهدي صوب مكة ، وأمرهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم باستبدال ملابسهم بثياب الإحرام ، ليأمن الناس الحرب ، وليعلمهم أنه إنما خرج زائرا لبيت اللّه الحرام ومعظما له . وعندما بلغ المسلمون عسفان ، الواقعة على بعد مرحلتين من مكة ، لقيهم من يقول لهم إن قريشا قد خرجت بمقاتليها وفرسانها لمجابهة المسلمين ومنعهم من دخول مكة مهما كان الثمن ! ! فكان جواب الرسول : ( يا ويح قريش ! ! لقد أكلتهم الحرب . ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب ، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوه ، وأن أظهرني اللّه عليهم دخلوا في الإسلام وافرين ، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة . فما تظن قريش ؟ فو اللّه لا أزال أجاهد على الذي بعثني به حتى يظهره اللّه أو تنفرد هذه السالفة ) . وطلب من أحد الأدلّاء أن يقودهم ، عبر طرق غير مسلوكة ، إلى مكان آخر تجنبا للصدام مع قريش ، فقادهم الدليل في أراض وعرة ، ومسالك جبلية ، وانتهى بهم إلى أرض سهلة عند منعطف الوادي أسفل مكة تدعى الحديبية . وعندما كان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يقول : ( لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلّا أعطيتهم إياها ) ، كان فرسان قريش يكرون عائدين اعتقادا منهم أن محمد صلى اللّه عليه وسلم اجتاح مكة عنوة « 2 » . رأت قريش ، وقد لمست رغبة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وإصراره على دخول مكة وأداء العمرة ، أن تبعث إليه من يكلمه بالأمر ويقنعه بأن لا جدوى من محاولته تلك ،
--> ( 1 ) ابن هشام ص 249 الطبري 2 / 620 ابن سعد 2 / 1 / 69 الواقدي 2 / 572 - 573 . ( 2 ) ابن هشام ص 229 - 251 : الطبري 2 / 623 - 624 الواقدي 2 / 574 - 594 .