عماد الدين خليل
187
دراسة في السيرة
واعتقدت أن مجرد السماح للمسلمين بدخول بلدهم ، بعد ذلك الصراع الحامي ، يمثل هزيمة منكرة لقريش ، زعيمة الوثنية ، وتنازلا لخصومها كي يطؤوا حرمها المقدس . . . وستقول العرب : لقد نكصت قريش عن حماية البيت الحرام ، ولم تعط الأمر حقه ، ثم ما تلبث أن تنصرف عنها . كان بديل بن ورقاء الخزاعي أول سفراء قريش إلى معسكر المسلمين ، فقدم إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم يصحبه رجال من خزاعة ، فكلموه وسألوه : ما الذي جاء به ؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا ، وإنما جاء زائرا للبيت ومعظما لحرمته ( فمن صدّنا عنه قاتلناه ) . فرجع بديل إلى قريش وقال : يا معشر قريش إنكم تعجلون على محمد ، وأن محمدا لم يأت لقتال وإنما جاء زائرا هذا البيت . فما كان من زعماء قريش إلا أن اتهموه وعنفوه وقالوا له : وإن كان جاء لا يريد قتالا ، فو اللّه لا يدخلها علينا عنوة أبدا ، ولا تحدث بذلك عنا العرب . وما لبثوا أن بعثوا إلى المسلمين سفيرهم الثاني : مكرز بن حفص ، الذي عاد بما كان رفيقه قد عاد به إلى زعماء قريش « 1 » . وكان الحليس بن علقمة ، سيد الأحابيش ، السفير الثالث ، فلما رآه الرسول صلى اللّه عليه وسلم مقبلا قال : إن هذا من قوم يتألّهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه ، فلما رأى الهدي ينساب صوبه في عرض الوادي ، قفل عائدا قبل أن يقابل الرسول صلى اللّه عليه وسلم إعظاما لما شهد ، وأخبر القرشيين بالذي رأى ، فقالوا له : اجلس ، إنما أنت أعرابي لا علم لك ! ! فغضب عند ذاك وقال منددا : يا معشر قريش ، واللّه ما على هذا حالفناكم . . أيصد عن بيت اللّه من جاء معظما له ؟ والذي نفس الحليس بيده لتخلنّ بين محمد وبين ما جاء له ، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد . فقالوا له : مه يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به . ثم ما لبثوا أن بعثوا سفيرهم الرابع : عروة بن مسعود الثقفي ، وعندما جلس بين يدي الرسول صلى اللّه عليه وسلم قال : يا محمد ، أجمعت أو شاب الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضّها بهم ؟ إنها قريش قد خرجت ، وقد لبسوا جلود النمور ، يعاهدون اللّه لا تدخلها عليهم أبدا . وأيم اللّه لكأنني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا ! فعنّفه أبو بكر الذي كان يجلس وراء الرسول صلى اللّه عليه وسلم وقال : أنحن ننكشف عنه ؟ وراح عروة يتناول
--> ( 1 ) ابن هشام ص 251 - 252 ابن سعد 2 / 1 / 70 الواقدي 2 / 593 - 594 .