عماد الدين خليل
180
دراسة في السيرة
الآن يسعى إلى تفتيت جبهة الأحزاب وبدون ذلك لا يتحقق النصر ولا يزول الخطر . . فيبعث إلى قائدي غطفان وبني مرّة ويغريهما بثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما ويتخليا عن الحصار ، وانتهت اتصالاته بهما إلى كتابة وثيقة صلح بين الطرفين ، تعمد الرسول أن يؤجل توقيعها ريثما يستشير قادة الأنصار أصحاب المدينة ، فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعرض عليهما الأمر فقالا له : يا رسول اللّه ، أمرا تحبه فنصنعه أم شيئا أمرك اللّه به لا بد لنا من العمل به ، أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال : بل شيء أصنعه لكم . . . واللّه ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ، فأجاب سعد بن معاذ : يا رسول اللّه قد كنا وهؤلاء القوم على الشرك باللّه وعبادة الأوثان ، لا نعبد اللّه ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعا . أفحين أكرمنا اللّه بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ واللّه ما لنا بهذا من حاجة ، واللّه لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم اللّه بيننا وبينهم ، قال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : فأنت وذاك . فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحى ما فيها وقال : ليجهدوا علينا ! ومن ثم اطمأن الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى رغبة أصحابه عامة والأنصار خاصة في الصمود حتى النهاية بوجه الأحزاب « 1 » . لم يأل الرسول جهدا لتحقيق هدفه في تفتيت جبهة الأحزاب وتقطيع الرباط الذي يشد بعضها إلى بعض لا سيما ذلك الذي يوحد بين الوثنية في الخارج ويهود قريظة في الداخل ، إذ أن أي تنسيق يحدث بين الطرفين سيمنح المشركين طريقا أمينا يختارونه عبر أحياء بني قريظة إلى قلب المدينة ، وهنالك تقع الكارثة ويجد المسلمون أنفسهم وهم محاطون بالاف المشركين يجوبون ديارهم ويعملون فيهم قتلا وأسرا وتشريدا . وما لبثت العناية الإلهية أن ساقت إليه رجلا قد أسلم حديثا يدعى نعيم بن مسعود ، فعرض على الرسول خدماته قائلا : إن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت ، فقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم : إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة « 2 » .
--> ( 1 ) ابن هشام ص 216 - 217 الطبري 2 / 572 - 573 ابن سعد 2 / 1 / 49 الواقدي 2 / 477 - 480 البلاذري : أنساب 1 / 346 - 347 . ( 2 ) ابن هشام ص 218 - 219 الطبري 2 / 578 الواقدي 2 / 480 - 481 .