عماد الدين خليل
179
دراسة في السيرة
الشتاء الطويلة « 1 » ، والحرب النفسية العاتية التي شنتها جيوب المنافقين في صفوف المسلمين مخذلة معوقه مخوفة . . والسهر القاسي في الليالي الطويلة حتى أن محمد بن مسلمة قال : كان ليلنا بالخندق نهارا حتى فرجه اللّه « 2 » ، ثم جاء انتقاض بني قريظة علامة خطر أكيدة لمعسكر المسلمين الصامد ، فعظم البلاء واشتد الخوف حتى أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يسمح لأحد من أصحابه بالتوجه إلى داخل المدينة ألا وهو يحمل سلاحه حذرا من غدر بني قريظة « 3 » ، وعن أيام المحنة تلك تحدث القرآن الكريم فيما بعد : . . . إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا . هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً . . . « 4 » . نشط الرسول صلى اللّه عليه وسلم في العمل على كل الجبهات العسكرية والنفسية لبعث روح المقاومة والصمود في صفوف أتباعه المتعبين القلقين ، فراح يرفع معنوياتهم وينفخ فيها الأمل بالنصر في اللحظات التي تتعرض فيها لليأس المرير . إنه ، وهم يحفرون الخندق ، يؤملهم بأن خيولهم ستطأ في يوم قريب عواصم العالم القديم وستتهاوى تحت وقع سنابكها عروش كسرى وقيصر ، وستمرغ بأسيافهم أنوف كانت تستعلي على الناس زيفا وخديعة وكذبا . وعندما تجيء الأخبار مؤكدة نبأ انتقاض بني قريظة ، ينادي : اللّه أكبر . أبشروا يا معشر المسلمين « 5 » ويعدهم بأن مفاتيح الكعبة ستسلم إليه في يوم من الأيام . وزادهم معنوية وصمودا تلك الأمثلة العالية من التضحية والصبر والبطولة ضربها بعض إخوانهم فالتمعت في قلب المحنة شررا تحرك المقاتلون على ضوئه إلى أهدافهم ، دفاعا عن المصير الذي صاغوا بدمائهم وأعصابهم جوانب منه ، وسينطلقون فيما بعد لإتمام صياغته إيمانا واحتسابا . وعلى الجبهة العسكرية لم يدع الرسول وأصحابه ثغرة ينفذ منها العدو ولا ترك جانبا يمكن أن يعزز خطة الدفاع والمقاومة إلا اعتمده ونفذه بسرعة ، وها هو
--> ( 1 ) انظر الواقدي 2 / 463 ، 475 - 476 ، 489 . ( 2 ) الواقدي 2 / 468 . ( 3 ) الواقدي 2 / 474 . ( 4 ) سورة الأحزاب : الآيتان 10 - 11 . ( 5 ) ابن هشام ص 215 الطبري 2 / 572 .