عماد الدين خليل

172

دراسة في السيرة

إلى اللّه أشكو غربتي ثم كربتي * وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ * يبارك على أوصال شلو ممزع وقد خيّروني الكفر والموت دونه * وقد هملت عيناي من غير مجزع فو اللّه ما أرجو إذا مت مسلما * على أي جنب كان في اللّه مصرعي « 1 » وفي صفر في نفس العام ، قدم أبو براء عامر بن مالك ، الملقب بملاعب الأسنة ، على رسول اللّه في المدينة ، فعرض عليه الرسول الإسلام ، ودعاه إليه ، فلم يسلم ، ولم يبعد من الإسلام ، وقال : يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك ، إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك ، رجوت أن يستجيبوا لك . وعندما أعلمه الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، إنه يخشى عليهم أهل نجد ، بعد أن أصيب أصحابه في ماء الرجيع ، قال : أنا جار لهم فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك « 2 » . وكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم يعرف يقينا أن انتصار دعوته وانتشارها لا يتحقق بغير تضحيات ، وأن الانسياق وراء الحيطة والحذر في ميدان التضحية والفداء لا يقود إلى النصر ، وأن عليه أن يختار في هذه اللحظات القلقة ، الطريق الصعب كي لا تقول العرب إن الرسول قد عجز عن الاستمرار في الطريق حتى النهاية ، أخافته مقاتل أصحابه ، هذا إلى أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، لم يبعث أصحابه هذه المرة لكي ينتحروا ، فهم الآن أكثر عددا ، وفي جوار رجل وضعهم في جواره ، ولم يعرف عن العرب ، حتى تلك اللحظة ، إنهم خرقوا قدسية الجوار ، ولا علم للرسول صلى اللّه عليه وسلم بالغيب ، فلينطلق أصحابه على بركة اللّه . سار الدعاة الأربعون بقيادة المنذر بن عمرو ، حتى نزلوا بئر معونة قريبا من ديار بني عامر ، وتقدم حرام بن ملحان ، بكتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى زعيم القوم ، عامر بن الطفيل ، لكن عامرا ما أن نظر في الكتاب حتى عدا على حرام فضربه برمح في جنبه خرج من الشق الآخر ، وهو ينادي : فزت ورب الكعبة ! ثم

--> ( 1 ) ابن هشام ص 197 - 199 الطبري : تاريخ 2 / 541 الواقدي 1 / 357 - 361 المسعودي : التنبيه ص 212 - 213 خليفة بن خياط 1 / 36 - 37 . ( 2 ) ابن هشام ص 200 الطبري 2 / 545 - 546 ابن سعد 2 / 1 / 36 . ويذكر الواقدي 1 / 349 بأن نبأ مأساة الرجيع وصل المدينة في نفس اليوم الذي وصل فيه نبأ الكارثة الآخرى في بئر معونة ، إلا أن تريث الرسول صلى اللّه عليه وسلم في الاستجابة لطلب أبي براء يوحي بأن الرجيع سبقت حادثة بئر معونة رغم عدم إمكان الجزم بذلك . وانظر خليفة بن خياط : تاريخ 1 / 36 - 39 .