عماد الدين خليل
173
دراسة في السيرة
استصرخ عليهم بني عامر فلم يجيبوه ، التزاما بجوار أبي براء ، فاستصرخ بقبائل سليم المجاورة ، فأجابوه وأحاطوا بالدعاة وهم في رحالهم ، فهرعوا إلى سيوفهم ، وقاتلوا القوم قتالا مريرا ، حتى حصدوا عن آخرهم ، إلا كعب بن زيد فقد انسحب جريحا من المجزرة ، وتمكن من الوصول إلى المدينة حيث قتل شهيدا في الخندق « 1 » . وكان الدعاة قد تركوا في سرحهم اثنين من رفاقهم هما عمرو بن أمية الضمري والمنذر بن محمد الأنصاري ، فلم ينبههما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم حول العسكر ، فأقبلا لينظرا فإذا إخوانهما يتضرجون بدمائهم ، ومن حولهم المغيرون على خيولهم ، فرأى عمرو أن يعود إلى المدينة ، ليخبر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بما حدث ، وأما رفيقه فقد قال : ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ، أحد أصدقائه ، وما كنت لأبقى حتى تخبرني عنه الرجال ، ثم انقض على القوم ، حتى سقط ، متضرجا بدمائه « 2 » . وفي ذي القعدة من السنة الرابعة للهجرة ، حل الموعد الذي ضربه المسلمون مع أبي سفيان للقاء جديد في بدر ، فخرج الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى هناك على رأس ألف وخمسمائة من أصحابه ، وأقام ثمانية أيام ، ينتظر أبا سفيان ، الذي كان قد غادر مكة على رأس مقاتليها ، وعندما بلغ الظهران ، بدأت تتناوشه المخاوف من لقاء المسلمين ، وأخذ يفكر بالرجوع قائلا : يا معشر قريش ، إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر وتشربون اللبن ، وإن عامكم هذا عام جدب ، وإني راجع فارجعوا ، فقفلوا عائدين إلى مكة . وعندما أيقن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن أبا سفيان قد نكل عن الموعد ، عاد إلى المدينة ، وقد حقق نصرا معنويا ضد قريش ، كما عزز مكانة المسلمين في الصحراء بعدما تعرضت له من تأرجح في أعقاب أحد « 3 » .
--> ( 1 ) ابن هشام ص 200 - 201 الطبري 2 / 546 - 547 ، 549 - 550 ابن سعد 2 / 1 / 36 - 39 الواقدي 1 / 346 - 348 خليفة بن خياط : تاريخ 1 / 38 - 39 البلاذري : أنساب 1 / 375 اليعقوبي تاريخ 2 / 61 المقدسي 4 / 211 - 212 ابن حزم : جوامع ص 178 - 180 ابن الأثير : الكامل 2 / 171 - 172 ابن كثير : البداية 4 / 71 - 74 . ( 2 ) ابن هشام ص 201 الطبري 2 / 547 الواقدي 1 / 348 - 352 اليعقوبي : تاريخ 2 / 61 . ( 3 ) ابن هشام ص 209 - 210 الطبري 2 / 559 - 561 ابن سعد 2 / 1 / 42 - 43 الواقدي 1 / 384 - 391 البلاذري : أنساب 1 / 339 - 340 المسعودي : التنبيه ص 214 .