عماد الدين خليل

168

دراسة في السيرة

ولا بأس هنا أن نختار فقرات من ( فقه السيرة ) يعقّب فيها محمد الغزالي على موقف القرآن الكريم إثر معركة ( أحد ) من الهزيمة التي كان لا بد منها في علم اللّه وقدرته لكي يتعلم المسلمون من نارها الممحصة وعن طريق ما يرتبط بها من آيات بينات ملامح الطريق و ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ « 1 » فلقد « ترفق القرآن الكريم وهو يعقب على ما أصاب المسلمين في أحد على عكس ما نزل في بدر من آيات ، ولا غرو فحساب المنتصر على أخطائه أشد من حساب المنكسر . في المرة الأولى قال : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ « 2 » . أما في أحد فقال : مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ « 3 » . حسب المخطئين ما لحقهم من أوضار الهزيمة ، وفي القصاص العاجل درس يذكر المخطىء بسوء ما وقع فيه . وقد اتجهت الآيات إلى مزج العقاب الرقيق بالدرس النافع وتطمين النفوس المؤمنة ، حتى لا يتحول انكسارهم في الميدان إلى قنوط يغل قواهم ، وحسرة تشل انتاجهم قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ . هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ . وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ « 4 » ، ثم مضى الوحي يذكر المسلمين ما جهلوا من سنن الحياة ويذكرهم بما نسوا من ذلك ، فيبين أن المؤمن مهما عظمت باللّه صلته فلا ينبغي أن يغتر به أو يحسب الدنيا دانت له أو يظن أن قوانينها الثابتة طوع يديه ! كلا ، كلا . فالحذر البالغ والعمل الدائم هما عدتا المسلم لبلوغ أهدافه المرسومة ، ويوم يحسب المسلم أن الأيام كلها كتبت له ، وأن شيئا منها لم يكن عليه ، وأن أمجاد الدارين تنال دون بذل التكاليف الباهظة ، فقد سار في طريق الفشل الذريع إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ . . . « 5 » أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ

--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية 179 . ( 2 ) سورة الأنفال : الآيتان 67 - 68 . ( 3 ) سورة آل عمران : الآية 152 . ( 4 ) سورة آل عمران : الآيات 137 - 139 . ( 5 ) سورة آل عمران : الآية 140 .