عماد الدين خليل
169
دراسة في السيرة
تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ « 1 » . وأولو الألباب يستحيون أن يطلبوا السلعة الغالية بالثمن التافه ، وهم يبدون استعدادهم للتضحية بأنفسهم لقاء ما ينشدون ، بيد أن الاستعداد أيام الأمن يجب ألايزول أيام الروع . إن الإنسان في عافيته قد يتصور الأمور سهلة مبسطة ، وقد يتأدى به ذلك إلى المجازفة والخداع ، فليحذر المؤمن هذا الموقف وليستمع إلى تأنيب اللّه لمن تمنوا الموت ثم حادوا عنه لما جاء وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ « 2 » ، ثم عاتب اللّه عز وجل من أسقط في أيديهم وانكسرت همتهم لما أشيع أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم مات . ما كذلك يسلك أصحاب العقائد ، إنهم أتباع مبادئ لا أتباع أشخاص ، ولو افترض أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم قتل وهو ينافح عن دين اللّه فحقّ على أصحابه أن يثبتوا في مستنقع الموت ، وأن يردوا المصير نفسه الذي ورده رائدهم ، لا أن ينهاروا ويتخاذلوا . . . إن عمل محمد صلى اللّه عليه وسلم ينحصر في إضاءة الجوانب المعتمة في فكر الإنسان وضميره ، فإذا أدى رسالته ومضى فهل يسوغ للمستنير أن يعود إلى ظلماته فلا يخرج منها ؟ لقد جمع صلى اللّه عليه وسلم الناس حوله على أنه عبد اللّه ورسوله ، والذين ارتبطوا به عرفوه إماما لهم في الحق وصلة لهم باللّه ، فإذا مات عبد اللّه ظلت الصلة الكبرى بالحي الذي لا يموت باقية نامية وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ « 3 » . . ولعل ما ترتب على عصيان الأوامر في هذه الموقعة درس عميق يتعلم منه المسلمون قيمة الطاعة والجندية . . . فإحسان الطاعة كإحسان القيادة . فكما أن إصدار الأوامر يحتاج إلى حكمة ، فإن إنفاذها يحتاج إلى كبح وكبت ، ولكن عقبى الطاعة في هذه الشؤون تعود على الجماعة بالخير الجزيل . لذلك لما دهش المسلمون للكارثة التي قلبت عليهم الأمور ، بيّن اللّه أنهم هم مصدرها ، فما أخلفهم موعدا ولا ظلمهم حقا أَ وَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ « 4 » . . . » « 5 » .
--> ( 1 ) سورة آل عمران : الآية 142 . ( 2 ) سورة آل عمران : الآية 143 . ( 3 ) سورة آل عمران : الآية 144 . ( 4 ) سورة آل عمران : الآية 165 . ( 5 ) انظر بالتفصيل : محمد الغزالي : فقه السيرة ص 280 - 289 والمؤلف : في النقد الإسلامي المعاصر ص 136 - 139 ، 139 - 141 .