عماد الدين خليل
167
دراسة في السيرة
إليها حتى الذين لم يشهدوا أحدا ، فعدل المشركون عن رأيهم ، واستأنفوا طريق عودتهم إلى مكة ، إلا أن أبا سفيان رأى أن يستفز المسلمين ويرهبهم فدس إليهم من يخبرهم ، أن قريشا عائدة لاستئصالهم ، فما كان من الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلا أن قال : حسبنا اللّه ونعم الوكيل . وأقام هناك ثلاثة أيام ، ثم قفل عائدا وقد حقق الأهداف التي توخاها من مناورته تلك « 1 » . لقد جاءت هزيمة أحد تعليما قيما للمسلمين ، عبر دروب صراعهم المرير ضد الأعداء . وكأن إرادة اللّه شاءت أن يكبو المسلمون هذه الكبوة ، بعد سلسلة الانتصارات التي حققوها قبل بدر وبعدها ، لأن الانتصار الدائم يعرض الجماعة لنوع من اليقين الأعمى والاتكالية السالبة ويحشر في صفوفهم الكثير الكثير من ضعاف الإيمان وطالبي المغانم ، فلا بد من هزة عنيفة تنخل المنتمين إلى الدعوة وتسقط عنهم أولئك الذين لا يقدرون على الصمود ومجابهة الخطر وجها لوجه ، وممارسة الموت بإيمان . ولقد ظل القرآن الكريم ، الذي خصص الكثير من آياته في سورة آل عمران لهذه التجربة المرة ، ظل طيلة العصر المدني ، كما كان شأنه في العصر المكي ، يعلم المسلمين بالتجارب والأحداث ويا بني حركتهم بالهزائم والانتصارات وتتنزل آياته مفرّقة وعلى مكث ، واحدة واحدة ، ومجموعة مجموعة ، إثر كل حدث يمارسه المسلمون ، وعقب كل تجربة يخوضونها . . . تتنزل لكي تمتزج مع حيوية التجربة المعاشة ، وواقعيتها وثقلها ، لكي ما تلبث هذه الآيات أن تغدو جزآ من كيان المسلم ، متمثلا في لحمه ودمه وعصبه ووجدانه ، إنه الارتباط الشرطي الذي أشار إليه « علم النفس » ، إن القيم والتعاليم إذا ارتبطت بحدث خطير له في النفوس وقع كبير سرعان ما تستقر في أعماق النفوس والقلوب والعقول ، وتبقى هنالك حتى النهاية ، تؤتي ثمارها نضجا للتجربة وتقويما للحركة واستقامة على الطريق .
--> ( 1 ) ابن هشام ص 191 - 193 الطبري 2 / 534 - 536 ابن سعد 2 / 1 / 34 - 35 الواقدي 1 / 334 - 340 خليفة بن خياط : تاريخ 1 / 35 المسعودي : تنبيه ص 211 البلاذري : أنساب 1 / 338 - 339 ابن حزم : جوامع ص 175 ابن الأثير : الكامل 2 / 164 - 165 ابن كثير : البداية 4 / 48 - 52 . وعن الآيات المتعلقة بمعركة أحد انظر : سورة آل عمران : الآيات 121 - 128 ، 137 - 161 ، 164 - 176 .