عماد الدين خليل
164
دراسة في السيرة
الآن ، فانصرف أبو سفيان ومن معه وهو ينادي : إن موعدكم بدر للعام القابل ، فقال صلى اللّه عليه وسلم لعمر قل : نعم هو بيننا وبينكم موعد « 1 » ! ! وتوقف القتال ، وقد خسر المسلمون بضعة وسبعين قتيلا ، وقيل خمسة وستين ، أما المشركون فلم يزد عدد قتلاهم على ثلاثة وعشرين رجلا « 2 » . ولم تغب عن ذهنه صلى اللّه عليه وسلم وهو يعاني التعب والسهر والجراح ، أن المشركين ربما فكروا بهجوم حاسم على المدينة فقطعوا الطريق على المسلمين في أحد وعرضوهم لمصير أشد حلكة وخطرا من المعركة نفسها ، فطلب من علي رضي اللّه عنه أن يخرج في أعقاب القوم فينظر ماذا يصنعون ، وما يريدون ، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة ، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة ، وأقسم الرسول صلى اللّه عليه وسلم ( والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأناجزنهم فيها ) ، لكن عليا ما لبث أن عاد ، ليخبره بأن المشركين امتطوا الإبل ويمموا وجوههم شطر مكة « 3 » . ومن أجل مزيد من ضمان عدم عودة المشركين لمهاجمة المدينة ، انتدب صلى اللّه عليه وسلم سبعين رجلا من أصحابه لمتابعة المشركين والتأكد من عدم اعتزامهم الرجوع « 4 » . لقد أجمع المؤرخون على اعتبار نتيجة أحد نصرا للمشركين على المسلمين ، لكن الحقائق العسكرية لا تتفق مع ما أجمع عليه هؤلاء . لقد كان بإمكان المشركين القضاء على قوات المسلمين في معركة أحد ، بعد أن استطاعوا إحاطتهم من كافة الجوانب ، بقوات متفوقة عليهم تفوقا ساحقا ، ومع ذلك استطاع الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يشق طريقه بين القوات المحيطة به ويخلص تسعة أعشار قواته من فناء أكيد . إن فشل المشركين في القضاء على قوات المسلمين بعد أن أحاطوهم بقواتهم المتفوقة يعتبر اندحارا لهم ، وإن نجاح المسلمين في الخروج من تطويق المشركين والتخلص منه بخسائر عشرة بالمائة بقواتهم القليلة يعتبر نصرا لهم . وبالإضافة إلى نجاح المسلمين في التخلص من الفناء التام في أحد فقد نجحوا في
--> ( 1 ) ابن هشام ص 186 - 187 الطبري 1 / 521 - 522 ، 526 - 527 ابن سعد 2 / 1 / 33 الواقدي 1 / 294 - 298 البلاذري : أنساب 1 / 327 . ( 2 ) ابن سعد 2 / 1 / 29 - 30 ، البلاذري : أنساب 1 / 328 - 335 خليفة بن خياط : تاريخ 1 / 34 . ( 3 ) ابن هشام ص 187 الطبري 2 / 527 - 528 الواقدي 1 / 298 - 299 . ( 4 ) البخاري : التجريد 2 / 82 .