عماد الدين خليل

158

دراسة في السيرة

ومما لا ريب فيه أن مواقف كبار الصحابة هؤلاء تبين لنا أن الإلحاح على الخروج للقتال بعيدا عن المدينة ، لم يجئ من الشباب والذين لم يشهدوا بدرا فحسب ، بل أسهم معهم في ذلك عدد من كبار المسلمين ، الأمر الذي يفسر لنا استجابة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لوجهة النظر هذه ، وعدم تردده في قبولها اعتمادا على ثقته الكبيرة بهذا العدد الكبير من أتباعه الراغبين في الخروج . وخوفا من أن يطول النقاش ، وتتعرض وحدة الصف المسلم للخطر ، وتلبية لنداء الشباب المتحمسين للقتال والشهادة ، أسوة بإخوانهم في بدر أسرع الرسول صلى اللّه عليه وسلم فدخل بيته ولبس درعه وحمل سلاحه ، وما أن رآه المسلمون الذين ألحوا بالخروج حتى ندموا وقالوا : استكرهنا الرسول صلى اللّه عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك ، وعرضوا عليه أن يعود إلى رأيه الأول ، إلا أنه أجابهم « ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل ، فانظروا ما أمرتكم به فافعلوه ، فلكم النصر ما صبرتم » ، ومن ثم غادر المدينة على رأس ألف مقاتل ، بعد أن وضع نساءها وصبيانها في الحصون والآطام حتى إذا قطعوا شوطا من الطريق إلى أحد انسحب ابن أبيّ بثلث الناس وقال مبررا ذلك : أطاعهم وعصاني ، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس ؟ فتبعهم عبد اللّه بن عمرو ابن حزام يحثهم على الرجوع لإخوانهم ، فلم يستجيبوا ، وكان الأنصار قد عرضوا على الرسول صلى اللّه عليه وسلم أن يستعين باليهود فرفض « 1 » . عسكر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بأصحابه السبعمائة قريبا من أحد جاعلا ظهورهم إليه وسوّى صفوف المسلمين ، وطلب منهم ألايقاتلوا حتى يأمرهم بذلك ، واختار خمسين رجلا وضعهم على الجبل وأمّر عليهم عبد اللّه بن جبير وقال له : انضح الخيل عنا بالنبال لا يأتونا من خلفنا ، إن كانت لنا أو علينا ، فاثبت لا نؤتين من قبلك ، ولبس صلى اللّه عليه وسلم درعين زيادة في الحيطة ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير . أما قريش فعبأت رجالها بمواجهة المسلمين وقسمت فرسانها الذين بلغوا مئتي رجل إلى قسمين ، أحدهما في الميمنة بقيادة خالد بن الوليد والآخر في الميسرة بقيادة

--> ( 1 ) ابن هشام ص 173 - 176 الطبري 2 / 499 - 504 ابن سعد 2 / 1 / 26 - 27 الواقدي 1 / 200 - 219 المسعودي : التنبيه ص 211 اليعقوبي : تاريخ 2 / 38 - 39 البلاذري : أنساب 1 / 312 - 315 .