عماد الدين خليل

12

دراسة في السيرة

ويعود جواد علي ليبين لنا كيف أن ( كايتاني ) وهو من كبار المستشرقين الأوائل الذين كتبوا عن حياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، كان يعتمد منهجا ( معكوسا ) في البحث يذكرنا بكثير من المختصين الجدد في حقل التاريخ الإسلامي ، والذين يعملون وفق منهج خاطىء من أساسه إذ أنهم يبيّتون فكرة مسبقة ثم يجيئون إلى وقائع التاريخ لكي يستلّوا منها ما يؤيد فكرتهم ويستبعدوا ما دون ذلك . فلقد كان كايتاني « ذا رأي وفكرة ، وضع رأيه وكوّنه في السيرة قبل الشروع في تدوينها ، فلما شرع بها استعان بكل خبر من الأخبار ظفر به ، ضعيفها وقويها ، وتمسّك بها كلها ، ولا سيما ما يلائم رأيه ، لم يبال بالخبر الضعيف ، بل قواه وسنده وعدّه حجة ، وبنى حكمه عليه . ومن يدري ؟ فلعله كان يعلم بسلاسل الكذب المشهورة والمعروفة عند العلماء ، ولكنه عفا عنها وغضّ نظره عن أقوال أولئك العلماء فيها ، لأنه صاحب فكرة يريد إثباتها بأية طريقة كانت ، وكيف يتمكن من إثباتها وإظهارها وتدوينها إن ترك تلك الروايات وعالجها معالجة نقد وجرح وتعديل على أساليب البحث الحديث ؟ » « 1 » . ومن المستشرقين أنفسهم من دفعهم جدّهم وموضوعيتهم - وهم ليسوا بالقليل - إلى نقد وتفنيد الأخطاء المنهجية التي مارسها رفاقهم في دراسة التاريخ عامة وحياة الرسول صلى اللّه عليه وسلم خاصة ، وإلى تعرية الدوافع التي تكمن وراء موقفهم هذا ، سواء كانت محتشدة في الوعي أو منسربة في اللا شعور . . « لقد رأى ( دينيه ) أنه من المتعذر ، إن لم يكن من المستحيل ، أن يتجرد المستشرقون عن عواطفهم وبيئتهم ونزعاتهم المختلفة ، وأنهم لذلك قد بلغ تحريفهم لسيرة النبي والصحابة مبلغا يغشي على صورتها الحقيقية من شدة التحريف فيها ، ورغم ما يزعمون من اتباعهم لأساليب النقد البريئة ولقوانين البحث العلمي الجاد فإنا نلمس من خلال كتاباتهم محمدا يتحدث بلهجة ألمانية ، إذا كان المؤلف ألمانيا ، وبلهجة إيطالية إذا كان الكاتب إيطاليا ، وهكذا تتغير صورة محمد بتغير جنسية الكاتب . وإذا بحثنا في هذه السير عن الصورة الصحيحة فإنا لا نكاد نجد لها من أثر . إن المستشرقين يقدمون لنا صورا خيالية هي أبعد ما تكون عن الحقيقة ! إنها أبعد عن الحقيقة من أشخاص القصص التاريخية التي يؤلفها أمثال ( وولتر سكوت ) و ( إسكندر ديماس )

--> ( 1 ) تاريخ 1 / 95 .