عماد الدين خليل

13

دراسة في السيرة

وذلك أن هؤلاء يصورون أشخاصا من أبناء قومهم ، فليس عليهم إلا أن يحسبوا حساب اختلاف الأزمنة ، أما المستشرقون فلم يمكنهم أن يلبسوا الصورة الحقيقية لأشخاص السيرة ، فصوروهم حسب منطقهم الغربي وخيالهم العصري . وأن الدكتور ( سنوك هيرغرنجة ) ليقول بحق في نهاية نقده لكتاب المستشرق غريم ( إننا نرى أن الأستاذ غريم لو اقتصر على درس السيرة النبوية القديمة وبحثها بعمق لكان أفضل ، وأن الثمار التي كان يمكن أن يجنيها من مثل هذا الدرس لهي أجدر ببلوغ الغاية التي توخّاها ، ولكنه ظن أن هذا عمل ليست له أهمية كبيرة ، وأراد أن يطرف الناس بنبأ جديد ففشل في وضع السير النبوية ) . . » « 1 » . وفي ختام كتاب ( آتيين دينيه ) القيم ( الشرق كما يراه الغرب ) ترد بعض الآراء حول ( المنهج ) حيث يقول « لقد أصاب الدكتور سنوك هيرغرنجة بقوله « إن سيرة محمد الحديثة تدل على أن البحوث التاريخية مقضي عليها بالعقم إذا سخرت لآية نظرية أو رأي سابق » . هذه حقيقة يجمل بمستشرقي العصر جميعا أن يضعوها نصب أعينهم ، فإنها تشفيهم من داء الأحكام السابقة التي تكلفهم من الجهود ما يجاوز حدّ الطاقة فيصلون إلى نتائج لا شك خاطئة « 2 » . فقد يحتاجون في تأييد رأي من الآراء إلى هدم بعض الأخبار ، وليس هذا بالأمر الهين ، ثم إلى بناء أخبار تقوم مقام ما هدموا ، وهذا أمر لا ريب مستحيل . إن العالم في القرن العشرين يحتاج إلى معرفة كثير من العوامل الجوهرية كالزمن والبيئة والإقليم والعادات والحاجات والمطامح والميول . . إلخ لا سيما إدراك تلك القوى الباطنة التي لا تقع تحت مقاييس المعقول والتي يعمل بتأثيرها الأفراد والجماعات » . ثم ما يلبث دينيه أن يضرب ( مثلا عكسيا ) فيقول : « ما رأي الأوروبيين في عالم من أقصى الصين يتناول المتناقضات التي تكثر عن مؤرخي الفرنسيين ويمحصها بمنطقها الشرقي البعيد ، ثم يهدم قصة ( الكاردينال ريشيليو ) كما نعرفها ، ليعيد لنا ريشيليو آخر له عقلية كاهن من كهنة بكين وسماته وطباعه ! ؟ إن مستشرقي العصر الحاضر قد انتهوا إلى مثل هذه النتيجة فيما يتعلق برسمهم الحديث في سيرة

--> ( 1 ) آتيين دينيه : محمد رسول اللّه ، مقدمة عبد الحليم محمود ص 27 - 28 وانظر عن بعض نماذج تخبط المستشرقين في دراسة السيرة : المقدمة نفسها ص 28 - 33 وهوامشها . وعن موقف القسيس لامانس ( النموذجي ) من السيرة انظر : المقدمة ص 35 - 41 . ( 2 ) انظر رأي جواد علي في كايتاني قبل قليل .