عماد الدين خليل

119

دراسة في السيرة

التاريخ . . لكنهم لم ينجوا من الوقوع في أسر المذهبية المحدودة ، والنظرة الذاتية ، واضطراب التجربة النفسية في عملية الاستشراف والاستقراء التاريخي ، الأمر الذي أدى إلى تأرجح مواقع رؤياهم ، والوقوع بالتالي في كثير من الأخطاء ، ليس هذا بطبيعة الحال مجال سردها وتحليلها . إن هجرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم تعلمنا كيف يرتبط تاريخ الدعوات بالحركة . . حركة الإنسان الفرد وحركة الجماعة ، كما تعلمنا أنه ليس من المحتم أبدا أن تكون ( الحركة ) صدورا عن صراع النقيضين كما أكد هيغل وماركس وغيرهما ، بل إنها في كثير من الأحيان تجيء بمثابة استجابة داخلية ، مقرونة بعمل خارجي ، لنداء من فوق . . إن هذا الحوار بين القيم العليا والوجود السفلي هو الذي يحرك - في أحيان كثيرة - أحداث التاريخ على خط صاعد . إن المثل الأعلى كان دائما بمثابة هدف يتحرك إليه الذين يتخبطون من تحت أو الذين يتقلبون في الظلمات ، أو الذين يتعذبون بشتى صنوف العذاب وتمنعهم القوى المضادة من تحقيق أهدافهم ( والهجرة تمثل حركة هذه الجماعة الأخيرة ) . . إن بحث الضائعين والحائرين والمعذبين والمأسورين ، عن النجاة ، عن مثل أعلى ، عن هدف يطمحون للوصول إليه . . هذا البحث الجاد كان في معظم الأحيان المحرك الذي يسوق الأفراد والجماعات إلى مصائرهم ، ويصنع تاريخهم . . وإذن فإن من الخطأ والتزييف أن نصدر حكما على كل حركات التاريخ بأنها جاءت نتيجة لصراع النقيضين . . إن ( الصراع ) نفسه يتخذ أشكالا عديدة لا تقتصر على تقابل الضدين وتغلّب أحدهما على الآخر . . إنه يبدو - أحيانا - إرادة ذاتية تسعى إلى التوحد والإئتمان الذاتي في وجدان الإنسان ومع المحيط الخارجي ، ويبدو أحيانا أخرى رغبة فعّالة في تحقيق تفاهم متبادل وسلم عام بين الإنسان والوجود . . وهو يبدو أحيانا ثالثة عملية استقطاب للقوى والطاقات ، وتنظيم لها ، وحماية لمقدراتها من أجل أن تصبّ جميعا في مجرى المبادئ الجديدة والدعوات الكبرى ( كما حدث في تجربة الهجرة ) ، وكل هذه الأشكال من الصراع لا نجد فيها تقابل نقيضين بقدر ما نجد محاولة للالتئام والتوحد والاستقطاب والتجمع . . وبعد هذا - وخلاله أيضا - لا بدّ للحركات أن تجتاز صراعا بين النقائض ، لكنها نقائض من مستويات شتى : نفسية وفكرية وعقيدية ووجدانية وعرفية واجتماعية وسياسية واقتصادية . . إلى