عماد الدين خليل

118

دراسة في السيرة

متخطية الإجابة عن هذا السؤال المهم : ما هي العلاقة بين اللّه سبحانه وبين الطبيعة ، بما فيها القوى المادية ، والإنسان بما أنه روح ومادة ، في صنع التاريخ وإقامة الحضارات ؟ وهل من المحتم أن تتكىء أحداث التاريخ على عامل واحد من هذه العوامل الثلاث ويلغى العاملان الآخران ، أو على الأقل يغدوان ظلالا باهتة لفاعلية العامل الرئيسي ؟ ولماذا هذه الجدران التي أقيمت بين اللّه والطبيعة والإنسان ؟ ! إن معظم مذاهب التفسير تخطّت الإجابة عن هذا السؤال تاركة في طريقها ثغرة عميقة ، ومنغلقة ، في بحثها عن الفرضية الخاطئة التي تمنح صفة الفاعلية لعامل واحد وتلغي العوامل الآخرى إلغاء . . ومن ثم برز التفسير السحري ( الميتافيزيقي ) للتاريخ وتطور ليعبر عن نفسه بالتفسير اللاهوتي الذي ساد تفكير مثقفي العصور الوسطى الأوروبية ، كما برز التفسير الفردي ( البطولي ) للتاريخ ، والتفسيرات الطبيعية التي بلغت أقصى حدتها بالمادية التاريخية التي يصفونها ( بالعلمية ) ! ! ولقد أدرك بعض فلاسفة التاريخ المعاصرين ، وعلى رأسهم أشبنغلر وتوينبي وكيسرلنج والناقد كولن ولسون ، أبعاد هذا الخطأ ، فعادوا خطوة متمعنة إلى الوراء لكي يجيبوا على السؤال الأول ، ويجتازوا - من ثم - طريقا مرصوفا لا ثغرات فيه . والحق أن التفسير الحضاري ، تقدم خطوات في هذا المجال ، خطوات تتسم إلى حد ما - بالاتزان والتعقل والموضوعية والشمول الذي يستند إلى نظرة كلية وإدراك عميق لمقومات الحدث التاريخي ، ولكن الموقع الذي رصد منه هؤلاء التاريخ وفلسفوا حركته ، تقف أمامه كثير من المرتفعات كسدود وحواجز تمنع الرؤية الكاملة والحكم الشامل الصحيح كما أن التجربة النفسية التي لامسوا بها أحداث التاريخ تحمل الكثير من عناصر الذاتية المزدوجة والتأثيرات العلمانية ، لذا فإنهم لم يقدروا على إعادة الالتئام الكامل بين فاعلية العوامل الثلاث ، وأبقوا بعض الجدران المزيفة ، مرئية وغير مرئية ، بين الحضور والغياب ، واللّه والإنسان ، والمادة والروح ، والطبيعة وما وراء الطبيعة . صحيح أنهم أعلنوا أن الحدث التاريخي لا يمكن أن تصنعه قوة واحدة ، لأن أية ( حركة ) تاريخية إنما هي نتاج لقاء خلاق بين اللّه والإنسان والطبيعة - بما فيها الزمن - وأن إغفال أي عنصر منها إنما هو جهل بالأسس الحقيقية لحركات